إنها تخرج من البحر إلى جانب السفينة، فتلقي نفسها عليها، فتحطمها، وتهلك من فيها، فإذا أحس بها أهل السفينة صاحوا وكبروا وضجوا وضربوا الطبول ونقروا الطسوت والسطول والأخشاب لأنها إذا سمعت تلك الأصوات ربما صرفها الله تعالى عنهم بفضله ورحمته.
وقال الشيخ عبد الله صاحب تحفة الألباب: كنت يوما في البحر على صخرة، فإذا أنا بذنب حية صفراء منقطة بسواد طولها مقدار باع فطلبت أن تقبض على رجلي، فتباعدت عنها، فأخرجت رأسها كأنها رأس أرنب من تحت تلك الصخرة، فسللت خنجرا كبيرا كان معي فطعنت به رأسها، فغار فيه، فلم أقدر على خلاصه منها، فأمسكت نصابه بيدي جميعا وجعلت أجره حتى ألصقتها بباب الجحر، فتركت الجحر، وخرجت من تحت الصخرة، فإذا هي خمس حيات في رأس واحد، فتعجبت من ذلك، وسألت من كان هناك عن اسم هذه الحية فقال:
هذه تعرف بأم الحيات، وذكروا أنها تقبض على الآدمي في الماء، فتمسكه حتى يموت وتأكله، وأنها تعظم حتى تكون كل حية أكثر من عشرين ذراعا وأنها تقلب الزوارق، وتأكل من قدرت عليه من أصحابها، وأن جلدها أرق من جلد البصل، ولا يؤثر فيها الحديد شيئا.
قال: ورأيت مرة في البحر صخرة عليها شيء كثير من النارنج الأحمر الطري الذي كأنه قطع من شجرة، فقلت في نفسي: هذا قد وقع من بعض السفن، فذهبت إليه، فقبضت منه نارنجة، فإذا هي ملتصقة بالحجر، فجذبتها، فإذا هي حيوان يتحرك ويضرب في يدي، فلففت يدي بكم ثوبي، وقبضت عليه وعصرته، فخرج من فيه مياه كثيرة، وضمر، فلم أقدر أن أقلعه من مكانه، فتركته عجزا عنه، وهو من عجائب خلق الله تعالى، وليس له عين ولا جارحة إلا الفم، والله سبحانه وتعالى أعلم لأي شيء يصلح ذلك.
قال: ولقد رأيت يوما على جانب البحر عنقود عنب أسود كبير الحب أخضر العرجون كأنما قطف من كرمه، فأخذته، وكان ذلك في أيام الشتاء، وليس في تلك الأرض التي كنت فيها عنب، فرمت أن آكل منه، فقبضت على حبة منه، وجذبتها، فلم أقدر أن أقلعها من العنقود حتى كأنها من الحديد قوة وصلابة، فجذبتها جذبة أقوى من الأولى، فانقشرت قشرة من تلك الحبة كقشر العنب وفي داخلها عجم كعجم العنب، فسألت عن ذلك، فقيل لي: هذا من عنب البحر ورائحته كرائحة السمك.
وفي البحر أيضا حيوان رأسه يشبه رأس العجل، وله أنياب كأنياب السباع، وجلده له شعر كشعر العجل، وله عنق وصدر وبطن، وله رجلان كرجل الضفدع، وليس له