الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِيهِ جَوَازُ السَّفَرِ بِالدَّوَابِّ عَلَيْهَا الْأَثْقَالُ الثِّقَالُ ، وَلَكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا تَحْتَمِلُهُ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ فِي الْحَمْلِ ، مَعَ الرِّفْقِ فِي السَّيْرِ وَالنُّزُولِ لِلرَّاحَةِ.
وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرِّفْقِ بِهَا ، وَالْإِرَاحَةِ لَهَا ، وَمُرَاعَاةِ التَّفَقُّدِ لِعَلَفِهَا وَسَقْيِهَا ، وَفِي الْمُوَطَّإِ قَالَ مَالِكٌ: عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ: {إنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ ، وَيَرْضَى بِهِ وَيُعِينُ عَلَيْهِ مَا لَا يُعِينُ عَلَى الْعُنْفِ ، فَإِذَا رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ الْعُجْمَ فَأَنْزِلُوهَا مَنَازِلَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ جَدْبَةً فَانْجُوَا عَلَيْهَا بِنَقْيِهَا ، وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ مَا لَا تُطْوَى بِالنَّهَارِ ، وَإِيَّاكُمْ وَالتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيقِ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْحَيَّاتِ} .
قَوْله تَعَالَى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: ذَكَرَ اللَّهُ الْأَنْعَامَ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ ، فَسَاقَ فِيهَا وُجُوهًا مِنْ الْمَتَاعِ ، وَأَنْوَاعًا مِنْ الِانْتِفَاعِ ، وَسَاقَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ ، فَكَشَفَ قِنَاعَهَا ، وَبَيَّنَ أَنْتِفَاعَهَا ، وَذَلِكَ الرُّكُوبُ وَالزِّينَةُ ، كَمَا بَيَّنَ فِي تِلْكَ الْمُتَقَدِّمَةِ: الدِّفْءَ وَاللَّبَنَ وَالْأَكْلَ.