وممن ينتظم في سلك هؤلاء الملحدين البراهمة فإنهم أيضاً نفوا النبوة لكنهم استدلوا بأن العقل كاف فيما ينبغي أن يستعمله المكلف فيأتي بالحسن ويجتنب القبيح ويحتاط في المشتبه بفعل أو ترك ، فالأنبياء عليهم السلام إما أن يأتوا بما يوافق العقل فلا حاجة معه إليهم أو بما يخالفه فلا التفات إليهم ، وجوابه أن هذا مبني على القول بالحسن والقبح العقليين ، وقد رفعت الأقلام وجفت الصحف وتم الأمر في إبطاله ، وعلى تقدير تسليمه لا نسلم أن العقل يستقل بجميع ما ينبغي ، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤوا بما يوافق العقل لا حاجة إليهم لجواز أن يعرفوا المكلف بعض ما يخفى عليه مما ينبغي له أو يؤكدوا حكمه بحكمهم ، ودليلان أقوى من دليل ، ولا نسلم أيضاً أنهم إن جاؤا بما يخالف العقل لا يلتفت إليهم لجواز أن يخالفوه فيما يخفى عليه ، على أن ذلك فرض محال لإجماع الناس على أن الشرع لا يأتي بخلاف العقل في نفس الأمر وإنما يأتي بما يقصر عن إدراكه بنفسه كوجوب صوم آخر يوم من رمضان وحرمة صوم أول يوم من شوال ، وتمام الكلام في ذلك يطلب من محله {أَنْ أَنْذِرُواْ} بدل من {الروح} على أن {إن} هي التي من شأنها أن تنصب المضارع وصلت بالأمر كما وصلت به في قولهم: كتبت إليه بأن قم ، ولا ضير في ذلك كما حقق في موضعه أي ينزلهم ملتبسين بطلب الإنذار منهم.
وجوز ابن عطية.
وأبو البقاء.
وصاحب الغنيان كون {إن} مفسرة فلا موضع لها من الإعراب ، وذلك لما في تنزيل الملائكة بالوحي من معنى القول كأنه قيل: يقول بواسطة الملائكة لمن يشاء من عباده أن أنذروا ، وجوز الزمخشري ذلك وكون {إن} المخففة من المثقلة وأمر البدلية على حاله قال: والتقدير بأنه أنذروا أي بان الشأن أقول لكم أنذروا.