قوله: (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) القلة بالنسبة إلَى المأكول وإن كان في نفسه كثيرًا
والقليل الْمُسْتَثْنَى بالنسبة إلَى الأقدم فالأقدم كما كان القليل الْمُسْتَثْنَى كَذَلكَ وجعله بالنسبة
إلى القليل المجموع يرجع في الْحَقيقَة إلَى ما ذكرنا. توضيحه أن في [السنين] المجدبة يبدأ في
المدخر الأقدم في السنين المخصبة فيؤكل ذلك المدخر الأقدم إلا قليلًا للبذر كما أن في
السنين المخصبة يترك الحبوب في سنبله إلا قليلًا مما لا بد منه. عَلَى هذا الترتيب أي
الأقدم فالأقدم والله تَعَالَى أعلم ولو قيل السنين المجدبة لم يكن الحراثة والزراعة فالقليل
الْمُسْتَثْنَى بالنسبة إلَى المجموع لم يبعد لكن خلاف الظَّاهر المتداول.
قوله: (تحرزون لبذور الزراعة) البذر بالذاء والذال بمعنى وهو الحب يجعل في الْأَرْض
لينبت وفرق ابن دريد بَيْنَهُمَا فقال البذر في البقول والبرز خلافه وجمعه بذور كذا قيل.
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ(49)
قوله: (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) أي السنين السبع الشداد والتَّفْصيل في ذلك مثل ما
مر. (عام فيه يغاث النَّاس) تقديم فيه لمجرد الاهتمام والحصر بالنسبة إلَى السنين الشداد ليس
ببعيد واللام في النَّاس للاسْتغْرَاق العرفي أو للعهد أي النَّاس المعهودون بابتلاء القحط
والغلاء وأنواع الكد والعناء.
قوله: (يُمطَرون) مبني للمَفْعُولِ من الثلاثي، وأما كونه من المزيد فليس بمناسب فإنه
لم يكن في العذاب كليًا لكنه لا يخلو من الإبهام سواء.
قوله: (من الغيث) أي المطر والاشْتقَاق قد يكون من الجوامد.
قوله: (أو يغاثون من القحط من الغوث) أي الإعانة والمآل واحد، لكن الأول صريح
في المقصود، وَأَيْضًا عَلَى الْمَعْنَى الثاني يتناول العصر والغيث فذكره بعده يحتاج إلَى التمحل
فالأول هُوَ الراجح المعول، ثم إنه عَلَى الأول ثلاثي يأتي وعلى الثاني رباعي واوي.
قوله: (ما يعصر كالعنب والزينون لكثرة الثمار. وقيل يحلبون الضروع) ما يعصر إشَارَة
إلى الْمَفْعُول الْمَحْذُوف أي يعصرون ما من شأنه أن يعصر كالعنب فما يعصر مجاز أولي
فهو بمعناه المعروف ولا صارف عنه ولذا قدمه، ثم جوز الاحتمال الآخر فقال: وقيل يحلبون
الضروع لما فيه عصر الضرع ليخرج اللبن. هذا وجه صحة الحمل عليه، وأما وجه التمريض
فلما أشرناه.
قوله: (وقرأ حمزة والكسائي بالتاء على تغليب المستفتي) لأنه المخاطب وما عداه
غيب والمخاطب وإن كان قليلًا أقوى من الغيب وإن كان كثيرًا، وكذا الْكَلَام في (تزرعون)
وفي (فذروه) وغيره ومَوْضع التَّنْبيه عَلَى التَغْليب هناك عَلَى
ما لا يخفى عَلَى اللبيب والْقَوْل بأنه ليس التفاتًا لأنه لما أشركهم معه في التَّكَلُّم في قوله:
(أفتنا) جعلهم [حاضرين] فجرى الخطاب عَلَى ظاهره من غير التفات وهو
الْمُنَاسب لا ينافي التغليب.