والذي يشعر به قوله تعالى حكاية عن قوله في السجن لرسول الملك"ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن ايديهن إلى ان قال قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق انا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين ذلك ليعلم انى لم اخنه بالغيب وان الله لا يهدى كيد الخائنين"الآيات: 50 - 52 من السورة انهن دعينه إلى امرأة العزيز وقد اشركهن في القصة ثم قال لم اخنه بالغيب ولم يقل لم اخن بالغيب ولا قال لم اخنه وغيره فتدبر فيه .
ومع ذلك فمن المحال عادة ان يرين منه ما يغيبهن عن شعورهن ويدهش عقولهن ويقطعن
ايديهن ثم ينسللن انسلالا ولا يتعرض له اصلا ويذهبن لوجوههن بل العادة قاضية انهن ما فارقن المجلس الا وهن متيمات فيه والهات لا يصبحن ولا يمسين الا وهو همهن وفيه هواهن يفدينه بالنفس ويطمعنه بأي زينة في مقدرتهن ويعرضن له أنفسهن ويتوصلن إلى ما يردنه منه بكل ما يستطعن .
وهو ظاهر مما حكاه الله من يوسف في قوله"رب السجن أحب الي مما يدعونني إليه والا تصرف عنى كيدهن اصب إليهن"فإنه لم يعرض عن تكليمهن إلى مناجاة ربه الخبير بحاله السميع لمقاله الا لشدة الأمر عليه واحاطة المحنة والمصيبة من ناحيتهن به .
وثالثا: ان تلك القوة القدسية التي استعصم بها يوسف (عليه السلام) كانت كأمر تدريجي يفيض عليه آنا بعد آن من جانب الله سبحانه وليست الأمر الدفعي المفروغ عنه والا لانقطعت الحاجة إليه تعالى ولذا عبر عنه بقوله:"والا تصرف عنى"ولم يقل وان لم تصرف عنى وان كانت الجملة الشرطية منسلخة الزمان لكن في الهيئة إشارات .
ولذلك أيضا قال تعالى:"فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن"الخ فنسب دفع الشر عنه إلى استجابة وصرف جديد .
ورابعا ان هذه القوة القدسية من قبيل العلوم والمعارف ولذا قال (عليه السلام) واكن من الجاهلين ولم يقل وأكن من الظالمين كما قال لامرأة العزيز انه لا يفلح الظالمون أو اكن من الخائنين كما قال للملك وان الله لا يهدى كيد الخائنين وقد فرق في نحو الخطاب بينهما وبين ربه فخاطبهما بظاهر الأمر رعاية لمنزلتهما في الفهم فقال: انه ظلم والظالم لا يفلح وانه خيانة والله لا يهدى كيد الخائن وخاطب ربه بحقيقة الأمر وهو ان الصبوة إليهن من الجهل .
وستوافيك حقيقة الحال في هذين الامرين (1) في ابحاث ملحقة بالبيان إن شاء الله تعالى .
قوله تعالى:"فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن انه هو السميع العليم"أي استجاب الله مسألته في صرف كيدهن عنه حين قال والا تصرف عنى كيدهن اصب إليهن""
(1) أي الأمر الثالث والرابع .