وقال أَبُو عَوْسَجَةَ: (نَسْتَبِقُ) هذا من السباق؛ أي: يعدون حتى ينظروا أيّهم يسبق؛ أي: يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (نَسْتَبِقُ) ، أي: ننتضل، يسابق بعضنا بعضا في الرمي؛ يقال: سابقته فسبقته، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)
الدم لا يكون كذبًا، لكنه - واللَّه أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد كذبوا فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله، ولم يكن.
وقال الفراء: (بِدَمٍ كَذِبٍ) : بدم مكذوب، والعرب قد تستعمل المصدر في موضع المفعول.
ثم قال: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ) .
أي: زينت لكم أنفسكم. والتسويل: هو التزيين في اللغة؛ وتأويله - واللَّه أعلم - أي: زينت لكم أنفسكم ودعتكم إلى أمر تفصلون وتفرقون به بيني وبين ابني.
لكنا لا نعلم ما ذلك الأمر الذي زينت أنفسهم لهم، ويشبه أن يكون ذلك قوله: (يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا) واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) يحتمل وجهين:
يحتمل: صبر لا جزع فيه، جميل نرضى بما ابتلينا به؛ لأن الصبر هو كف النفس عن الجزع.
والثاني: صبر جميل: كف النفس عن الجزع، وجميل: لا مكافأة فيه؛ لأنهم بما فعلوا بيوسف كانوا مستوجبين للمكافأة.
فقال: (فَصَبْرٌ) كف النفس عن الجزع بذلك، وجميل لا مكافأة فيه. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ: (وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ... ) الآية؛ أي: وباللَّه أستعين على الصبر بما تصفون.
أو يقول: إني به أستعين على ما تقولون من الكذب حين تزعمون أن الذئب أكله ونحوه. انتهى انتهى {تفسير الماتريدي. 6/ 209 - 219} ...