فكذلك يجيء التكذيب مكان المكذوب.
قال القاضي أبو محمد: هذا كلام الطبري، ولا شاهد له فيه عندي، لأن نفي المعقول يقتضي نفي العقل، ولا يحتاج إلى بدل، وإنما"الدم الكذب"عندي وصف بالمصدر على جهة المبالغة.
وقرأ الحسن:"بدم كذب"بدال غير معجمة، ومعناه الطري ونحوه، وليست هذه القراءة قوية.
ثم قال لهم يعقوب لما بان كذبهم: {بل سولت لكم أنفسكم أمراً} أي رضيت وجعلت سولاً ومراداً. {أمراً} أي صنعاً قبيحاً بيوسف. وقوله: {فصبر جميل} رفع إما على حذف الابتداء وإما على حذف الخبر: إما على تقدير: فشأني صبر جميل، وإما على تقدير فصبر جميل أمثل. وذكر أن الأشهب وعيسى بن عمر قرأ بالنصب:"فصبراً جميلاً"على إضمار فعل، وكذلك هي في مصحف أبيّ ومصحف أنس بن مالك - وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه ولا يصلح النصب في مثل هذا إلا مع الأمر، ولذا يحسن النصب في قول الشاعر [الرجز] صبرا جميلاً فكلانا مبتلى ... وينشد أيضاً بالرفع ويروى"صبر جميل"، على نداء الجمل المذكور في قوله: [الرجز]
شكى إليّ جملي طول السرى ... يا جملي ليس إليّ المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى ... وإنما تصح قراءة النصب على أن تقدر يعقوب عليه السلام رجع إلى مخاطبة نفسه أثناء مخاطبة بنيه.
وجميل الصبر ألا تقع شكوى إلى بشر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من بث لم يصبر صبراً جميلاً".
وقوله: {والله المستعان على ما تصفون} تسليم لأمر الله تعالى وتوكل عليه، والتقدير على احتمال ما تصفون. انتهى انتهى. {المحرر الوجيز حـ 3 صـ}