والمثال الآخر من سيرة عمر رضي الله عنه في نفس المسألة ؛ حب العقل وحب العاطفة ؛ حين مَرَّ عليه قاتل أخيه ؛ فقال واحد ممَّنْ يجلسون معه: هذا قاتل أخيك . فقال عمر: وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام؟
وصرف عمر وجهه بعيداً عن قاتل أخيه ؛ فجاء القاتل إليه قائلاً: لماذا تزوي وجهك عني؟ قال عمر: لأنِّي لا أحبك ، فأنت قاتل أخي . فقال الرجل: أو يمنعني عدم حبك لي من أيِّ حق من حقوقي؟ قال عمر: لا . فقال الرجل:"لك أن تحب مَنْ تريد ، وتكره مَنْ تريد ، ولا يبكي على الحب إلا النساء".
وكان على إخوة يوسف أن ينتبهوا إلى حب والدهم ليوسف وأخيه هو انفعال طبيعي لا يُؤاخَذُ به الأب ؛ لأن ظروف الولدين حتمت عليه أن يحبهم مثل هذا الحب .
وتستمر القصة بما فيها من تصعيد للخير وتصعيد للشر ؛ ولسائل أن يسأل: ولماذا أنصبَّ غضبهم على يوسف وحده؟
ويقال: إنهم لم يرغبوا أنْ يَفْجعوا أباهم في الاثنين يوسف وأخيه أو أن شيئاً من رؤيا يوسف تسرب إليهم .
ومن العجيب أن يقولوا بعد ذلك: {وَنَحْنُ عُصْبَةٌ} [يوسف: 8] .
والعصبة من عدد عشرة فما فوق ؛ والعصبة أيضاً هم المُتكاتفون المُتعصِّبون لبعضهم البعض ؛ وهم الذين يقومون بالمصالح ويقضون الحاجات ؛ وقد تقاعد أبوهم ؛ وترك لهم إدارة أعمال العائلة .
وقالوا:"ما دُمْنَا نقوم بمصالح العائلة ، فكان من الواجب أن يَخُصَّنا أبونا بالحب"ولم يلتفتوا إلى أنهم عُصْبة ، وهذا ما جعل الأب يحبهم ، لكنه أعطى مَنْ ليسوا عصبة مزيداً من الرعاية ، ولكنهم سدروا في غَيِّهم ، ووصلوا إلى نتيجة غير منطقية وهي قولهم:
{إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [يوسف: 8] .
وهذا القول هو نتيجة لا تنسجم مع المقدمات ، فيوسف وأخوه طفلان ماتت أمهما ، ولا بُدَّ أن يعطف عليهم الأب ؛ وحبُّه لهما لم يمنع حبه للأبناء الكبار القادرين على الاعتماد على أنفسهم .
وحين يقولون: