وهذه مسألة نراها في حياتنا اليومية ، فنجد امرأة لها ولدان ، واحد أكرمه الله بسعة الرزق ويقوم بكل أمورها واحتياجاتها ؛ والآخر يعيش على الكفاف أو على مساعدة أخيه له ؛ ونجد قلبها دائما مع الضعيف .
ولذلك نقول: إن الحب مسألة عاطفية لا تخضع إلى التقنين ؛ ولا تكليف بها ؛ وحينما يتعرض القرآن لها فالحق سبحانه يوضح: أن الحب والبغض انفعالات طبيعية ؛ فأحبِبْ مَنْ شئتَ وأبغِضْ مَنْ شئتَ ؛ ولكن إياك أن تظلم الناس لمن أحببت ؛ أو تظلم مَنْ أبغضت .
اقرأ قول الحق سبحانه: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ على أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ للتقوى} [المائدة: 8] .
فأحبب مَنْ شئتَ ، وأبغض مَنْ شئتَ ، ولكن لا تظلم بسبب الحب أو البغض .
وقد يقول قائل: ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:
"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه".
نقول: اقرأ ما جاء في نفس رواية الحديث ؛ فقد قال عمر رضي الله عنه بوضوحه وصراحته وجراءته ؛ دون نفاق: أحبك يا رسول الله عن مالي وعن ولدي أما عن نفسي ؛ فلا ، فكرر النبي صلى الله عليه وسلم قوله:"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه".
ففطِنَ عمر رضي الله عنه إلى أن الأمر هو التزام عقديٌّ وتكليفي ؛ وفَهِم أنَ المطلوب هو حُبُّ العقل ؛ لا حب العاطفة .
وحب العقل كما نعلم هو أن تُبصر الأمر النافع وتفعله ؛ مثلما تأخذ الدواء المُرَّ ؛ وأنت تفعل ذلك بحبٍّ عقلي ؛ رغبةً منك في أن يأذن الحق بالشفاء .
والمسلم يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقله ؛ لأنه يعلم أنه لولا مجيء رسول الله لما عرف حلاوة الإيمان ، وقد يتسامى المسلم في حُبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يصير حب الرسول في قلبه حباً عاطفياً .
وهكذا نرى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد أوضح لنا الخطوط الفاصلة بين مباديء الحب العقلي والحب العاطفي .