وقوله تعالى: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} في المشار إليه أقوال . أظهرها أنه للاختلاف الدال عليه (مختلفين) . فالضمير حينئذ للناس ، أي: لثمرة الاختلاف ، من كون فريق في الجنة ، وفريق في السعير ، خلقهم . واللام لام العاقبة والصيرورة ، لأن حكمة خلقهم ليس هذا ، لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56] ، ولأنه لو خلقهم له لم يعذبهم عليه . أو الإشارة له وللرحمة المفهومة من (رحم) لتأويلها بـ (أن والفعل) أو كونها بمعنى الخير . وتكون الإشارة لاثنين ، كما في قوله: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِك} [البقرة: من الآية 68] . والمراد لاختلاف الجميع ورحمة بعضهم خلقهم . وهذا معزو إلى ابن عباس رضي الله عنهما . وإن كان الضمير لـ (من) فالإشارة للرحمة بالتأويل السابق - كذا في"العناية"- .
وأشار القاشاني إلى بقاء اللام على معناها ، وهو التعليل بوجه آخر ، حيث قال: وللاختلاف خلقهم ليستعد كل منهم لشأن وعمل ، ويختار بطبعه أمراً وصنعة ، ويستتب بهم نظام العالم ، ويستقيم أمر المعاش ، فهم محامل لأمر الله ، حمل عليهم حمول الأسباب والأرزاق وما يتعيش به الناس ، ورتب بهم قوام الحياة الدنيا ، كما أن الفئة المرحومة مظاهر لكماله ، أظهر الله بهم صفاته وأفعاله ، وجعلهم مستودع حكمه ومعارفه وأسراره .
وقوله تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} أي: أُحكمت وأبرمت وثبتت وهي هذه: {لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} والمراد من: {الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} عصاتهما ، والتعريف للعهد ، والقرينة عقلية لما علم من الشرع أن العذاب مخصوص بهم ، وأن الوعيد ليس إلا لهم ، ولا حاجة إلى تقدير مضاف كما قيل . ب-: {أَجْمَعِينَ} حينئذ