كان النصارى المعاهدون بالرغم من هذه الرعاية، والحماية،، وهذا التسامح الكبير من جانب ملوك الطوائف لم يشعروا أبدًا أنهم جزء من المجتمع المسلم، ولم يشعروا قط بعاطفة من الولاء نحو تلك الحكومة المسلمة التي كانت تبذل وسعها لحمايتهم واسترضائهم بل لبثوا دائمًا على ضغنهم، وخصومتهم لها، وتبصرهم بها ينتهزون أية فرصة للإيقاع بها، وممالأة ملوك أسبانيا النصرانية، ومعونتهم بكل وسيلة على محاربتها، وتسهيل مهمتهم في غزوها، والتنكيل بها، والأمثلة على ذلك كثيرة منها:
أ- حصار قلمرية سنة 456 هـ: وفيه قام النصارى المعاهدون، وقد كانوا كثرة في هذه المنطقة بدور بارز في معاونة الجيش الأسباني الصليبي، وقام رهبان دير (الورفان) القريب من قلمرية بمؤنهم المختزنة بإمداد الجيش الصليبي دلوهم على عورات المدينة حتى سقطت بيد الصليبيين.
ب- سقوط طليطلة سنة 478 هـ: دأب النصارى في طليطلة على تدبير الدسائس، وبث الفتن، والاضطرابات داخل المدينة، والاتصال المستمر بألفونسو الصليبي زعيم صليبي أسبانيا، ومؤازرة الناقمين من المسلمين الأغبياء ضد الحكومة القائمة، والعمل على تحطيم كل جبهة حقيقية للمقاومة، ولعبو دورهم على أكمل وجه حتى سقطت طليطلة بيد ألفونسو الصليبي سنة 478 هـ.
ج- غزوة الأندلس الكبرى 519 هـ: هذه الغزوة تمثل قمة الاجتراء، والخيانة، وذروة نكران الجميل من جانبهم عندما قام النصارى المعاهدون باستدعاء (ألفونسو الأرجوني)
المعروف بالمحارب، وكان أخوي ملوك الصليبيين، وقتها لغزو الأندلس، واحتلالها، ووعدوه بانضمام عشرات الألوف منهم، وأرسلوا له بأسمائهم في عرايض لضمان ولائهم، ووعدوه بالمساعدة بالذخائر، والمؤن، والأرواح، والدماء، وبالفعل قام ألفونسو المحارب بغزوته الشهيرة، واخترق قواعد الأندلس يعيث فيها فسادًا، وجنود النصارى ينضمون إليه أثناء سيره يدلونه على المسالك، والطرق، ومداخل البلاد، ولكن بفضل اللَّه عز وجل وحده فشلت تلك الغزوة الجريئة، وعاد ألفونسو خائبًا فما كان من النصارى إلا أن شعرو بخطورة موقفهم ففرو في صحبة (ألفونسو) وتركو ديارهم وأهلهم.