وكان فيما كتب إليه يحيى بن حمزة: إن أمر قبرص كأمر عربسوس، فإن فيها قدوة حسنة وسنة متبعة، فإن صارت قبرص لعدو المسلمين إلى ما صارت إليه عربسوس، فإن تركها على حالها والصبر على ما كان فيها، لما في ذلك للمسلمين من جزيتها وما يحتاجون إليه مما فيها أفضل، وإنما كان أمانها وتركها لذلك وليس من أهل عهد بمثل منزلتهم فيما
بين المسلمين وبين عدوهم إلا ومثل ذلك يتقى منهم قديمًا وحديثًا، وكل أهل عهد لم يقاتل المسلمون من ورائهم وتمض أحكامهم فيهم، فليسوا بذمة، ولكنهم أهل فدية، يكف عنهم ما كفوا، ويوفى لهم بعهدهم ما وفوا، ويقبل منهم عفوهم ما أدوا، ولا ينبغي أن يكون ذلك من المسلمين إليهم إلا بعد تقية يتقونها منهم أو ضعف عن محاربتهم، أو شغل عنهم بغيرهم، وقد روي عن معاذ بن جبل: أنه كره أن يصالح أحدًا من العدو على شيء معلوم، إلا أن يكون المسلمون مضطرين إلى صلحهم؛ لأنه لا يدري لعلهم يكونون أغنياء أعزاء في صلحهم، ليست عليهم ذلة ولا صغار. وكان فيما كتب إليه أبو إسحاق، ومخلد بن حسين: وإنا لم نر شيئًا أشبه بأمر قبرس من أمر عربسوس، وما حكم فيها عمر بن الخطاب، ثم ذكرا مثل الحديث الذي ذكرناه فيها، وقد كان الأوزاعي يحدث أن المسلمين فتحوا قبرص، فتركوا أهلها على حالهم، وصالحوهم على أربعة عشر ألف دينار: سبعة آلاف للمسلمين، وسبعة آلاف للروم، على أن لا يكتموا المسلمين أمر عدوهم، ولا يكتموا الروم أمر المسلمين، فكان الأوزاعي يقول: ما وفى لنا أهل قبرص قط، وإنا نرى أن هؤلاء القوم أهل عهد، وأن صلحهم وقع على شيء فيه شرط لهم وشرط عليهم، وأنه لا يستقيم إلا بأمر يعرف به غدرهم ونكث عهدهم. قال أبو عبيد: فأرى أكثرهم قد وكد العهد ونهى عن محاربتهم حتى يجمعوا جميعًا على النكث، وهذا أولى القولين بأن يتبع وأن لا يؤخذ العوام بجناية الخاصة، إلا أن يكون ذلك بممالأة منهم ورضا بما صنعت الخاصة، فهناك تحل دماؤهم وقد روي عن علي بن أبي طالب شيء يدل على هذا المعنى.