إن أساس الدعوة إلى الإسلام التبليغ ، وأنه لا إكراه في الدين ، فمن قبلها كان من المسلمين ، ومن أبى فعليه أن يخضع لسلطانهم ، وأن يعطيهم جزءاً من ماله يستعينون به على حماية ماله وعرضه ونفسه ، وله عليهم حق الوفاء بما عاهدوه عليه ، وقال: لا يُفْتَنَ عن دينه ، وأن تكون له الذمة والعهد أنَّى حل ، وحيثما وجد من ممالك الإسلام ، ما دام وافياً بعهده ، مؤدياً لجزيته ، لا يخون المسلمين ، ولا يمالئ عليهم عدوّهم ، وأحسن شاهد على هذا نسوقه إليك في هذا الفصل ، خبر أهل نجران اليمن ، وكانوا من الكتابيين ، لتعلم كيف كانت معاملة أهل الذمة ، ومبلغ محافظة الخلفاء على عهودهم معهم ، ما لم يخونوا أو يغدروا .
وتحرير الخبر عنهم أنهم وفَدَ وفْدُهُمْ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودعاهم إلى الإسلام فأبوا ، وسألوه الصلح ، وأن يقبل منهم الجزاء ، فصالحهم على شيء معلوم ، يؤدونه كل سنة للمسلمين وكتب لهم بذلك كتاباً جعل لهم فيه ذمة الله وعهده ، وأن لا يفتنوا عن دينهم ، ومراتبهم فيه ، ولا يحشروا ولا يعشروا ، وأن يؤمنوا على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم ، وغائبهم وشاهدهم وعيرهم ، وبعثهم وأمثلتهم . لا يغير ما كانوا عليهن ولا يغير حق من حقوقهم ، ولا يطأ أرضهم جيش ومن سأل منهم حقاً فبينهم النصف ، غير ظالمين ولا مظلومين ، ولهم على ذلك جوار الله ، وذمة رسوله أبداً ، حتى يأتي أمر الله ، ما نصحوا وأصلحوا .
واشترط عليهم أن لا يأكلوا الربا ، ولا يتعاملوا به .
ولما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، أقرهم على حالهم ، وكتب لهم كتاباً على نحو كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مع أنه كان يتخوفهم ، ويود إجلاءهم لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يبقين في جزيرة العرب دينان ) .
ولما حضر أبا بكر الوفاة ، أوصى عُمَر بن الخطاب بإجلاءهم لنقضهم العهد بإصابتهم الربا .