إلا الرجالُ البالِغونَ القائِمونَ بالقِتال، استدلَلْنا بهذا على أنَّ من لا قِتال منه؛ كالنِّساءِ والصِّبيانِ والرُّهْبانِ لا جِزْيَةَ عليهم؛ لكونِهم في أمانٍ من قَتْلِنا إياهُم، فلا يحتاجون إلى بَذْلِ جزيةِ الكَفِّ عنهم، وعلى هذا المعنى الذي اسْتَنْبَطَهُ أهلُ العِلْمِ دَلَّتِ السنَّةُ على اعتبارهِ.
فرُويَ أَنَّ عُمَرَ - رضيَ الله تعالى عنه - كتبَ إلى أمراءِ الأجناد: أَلاّ يَأْخُذوا الجِزْيَةَ من النِّساءِ والصِّبْيانِ.
* ثم اختلفوا في تفصيلِ هذا الاستنباطِ، هلِ الجزيةُ بدلٌ عن الدمِ خاصَّةً، أو بدلٌ عن الدَّمِ وسُكنى الدار؟
فيه خلافٌ, وبالأولِ أخذَ مالِكٌ، وبالثاني أخذَ الشافِعِيُّ، وقولُ مالِكٍ هُنا هو الظاهِرُ.
ويظهر أثرُ الخِلاف فيما إذا أسلمَ في أثناءِ الحَوْلِ، هل يجبُ عليهِ تسليمُ القِسْط؟
* وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الجزيةَ، ولم يَحُدَّها بِحَدٍّ.
وروي أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"خُذْ منْ كُلِّ حالِمٍ دينارًا، أو عَدْلَهُ ثَوْبَ"
مَعافِرَ"، وهي ثيابٌ منسوبةٌ إلى معافِرَ من أرضِ اليَمَنِ، وبهذا أخذ أحمدُ في تحديدِ الجزيةِ، فلا يُزادُ عليه ولا يُنْقَصُ منه."
وجعله الشافعيُّ تحديدًا لأقلِّ الجزيةِ؛ لأنه لم يُنْقَلْ أَقَلُّ منها, ولا حَدَّ لأكثرِها، بل هو ما يوافِقُهُمْ عليهِ الإمامُ.
وأخذ مالكٌ بما فَرَضَه عُمَرُ - رضي الله تعالى عنه - ، ففرضَ على أهلِ الذَّهَبِ أربعةَ دنانير، وعلى أهل الوَرِقِ أربعين دِرْهَمًا، ومع ذلك أرزاقُ المسلمين، وضيافَةُ ثلاثةِ أيامِ، لا يُزادُ عليهِ، ولا يُنْقَصُ منه.
وروي عنهُ أيضًا أنه بَعَثَ عُثْمانَ بنَ حُنَيْفٍ، فوضعَ الجزيةَ على أهلِ السوادِ ثمانيةً وأربعينَ دِرْهَمًا، وأربعةً وعشرينَ، واثني عَشَرَ، وبهذا
أخذَ أبو حنيفةَ، فخالَفَ بينَ الغَنِيِّ والفقيرِ، والمُعْتَمِلِ والمُتَوَسّطِ.
ولما رأى قومٌ أن ليسَ في التقديرِ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - حديثٌ متفق على صِحَّته، ورأوا هذا الاختلافَ في التقديرِ، استدل على أنه باجتهادِ عمرَ - رضي الله تعالى عنه - ، فأخذوا بظاهِرِ الكتِابِ، وقالوا: لا حَدَّ فيه، بل الحَدُّ مَصروفٌ إلى اجتهادِ الإمامِ، وبهذا قال الثَّوْرِيُّ وهو مذهبٌ قَوِيُّ الذَّليلِ.
(من أحكام الزكاة)