هذه الآية نزلت في تعيين من يجوز له أخذ الزكاة، فالصدقات في الآية هي الزكاة المفروضة. والذين سمى الله فيها هم الذين توضع فيهم الزكاة وعددهم في ظاهر الآية ثمانية. ونحن نتكلم على ما يخص كل واحد منهم ثم نتكلم على ما يعم الجميع. فأما الفقير والمسكين فقد اختلف فيهما اختلافًا كثيرًا. فقيل هما اسمان لشيء واحد والذي يملك شيئًا يسيرًا لا يكفيه إلا أن وصف بصفتين لتأكيد أمره فعلى هذا القول عدد من تقسم عليهم الزكاة في الآية سبعة، وإلى هذا القول مال ابن الجلاب. وقيل بل
هما لمعنيين، ثم اختلف الذين ذهبوا إلى هذا في الفرق بينهما على عشرة أقوال.
فقيل الفقير أحسن حالًا من المسكين لأنه الذي له البلغة من العيش والمسكين هو الذي لا شيء له واحتجوا بقول الراعي:
أما الفقير الذي كانت حلوبته ... . . . . . . . . . . . . .
فجعل للفقير حلوبة وقال تعالى: {أو مسكينًا ذا متربة} [البلد: 16] أي من لصق بالتراب من سوء حاله. وأيضًا فإن المسكين مفعيل من السكون مبالغة في وصفه بذلك أي لا حركة له كالميت. وقيل لأعرابي: فقير أنت. قال: لا والله بل مسكين. أي أسوأ حالًا من الفقير، وإلى هذا القول ذهب ابن السكيت ويونس وأبن قتيبة، وحكى ابن القصار أنه قول أصحاب مالك وإليه ذهب أبو حنيفة. وقيل المسكين أحسن حالًا
من الفقير لأنه الذي له البلغة من العيش، والفقير الذي لا شيء له واحتجوا بقوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} [الكهف: 79] فجعل لهم سفينة. وبقوله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربًا في الأرض} [البقرة: 273] فإن الفقير المكسور الفقار. ومن كثر فقاره فلا حياة له. ويقول الشاعر:
هل لك من أجر عظيم تؤجره ... تغيث مسكينًا كثيرًا عسكره
عشر شياه سمعه وبصره