يدل على أن الذين تقدم ذكرهم ووقع منهم مظاهرة أو مخاتلة خداع تقتضي نقض العهد والإخلال به. ولذلك قال: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله} الآية [براءة: 7] فإن قيل فإذا نقض العهد فلم أجلوا أربعة أشهر؟ فالجواب أنه جاز الإمهال تلك المدة لما فيه من المصلحة من تدبر من أمهل وعاقبة أمره وعسى أن يكون ذلك داعية إلى الإسلام وإذا صح هذا فقد اتفق المفسرون لهذه الآية أن هذا التأجيل الأربعة أشهر دخل فيه من كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد وظهر منه أو تحسس من جهته نقض وكان مدة عهده ينصدم عند انقضاء الأربعة أشهر أو قبلها. واختلف في من كان من هؤلاء عهده يتمادى بعد الأربعة أشهر. فقيل- وهو قول الجمهور- إنه داخل فيمن ضرب له الأربعة أشهر. وقيل من كان عهده
يتمادى بعد الأربعة أشهر فهم الذين أمر الله تعالى أن يوفى لهم. والأول أصح على ظاهر الآية. وأما من كان له عهد ولم يخف منه نقض فاتفقوا على أنه لم يدخل في التأجيل وأنه كان باقيًا إلى أجله إن كان أجله أطول من الأربعة أشهر لاستثناء الله تعالى إياهم فيما بعد. واختلفوا فيمن لم يكن له عهد من النبي صلى الله عليه وسلم هل هو داخل في هذا التأجيل أم لا. فذهب أكثرهم -منهم الضحاك- إلى أنه لم يدخل في ذلك. وذهب بعضهم -منهم السدي- إلى أنهم دخلوا فيه والأول أظهر لقوله تعالى: {إلا الذين عاهدتم} [براءة: 4] فإنما ذكر من عوهد بدليل هذا أن من لم يعاهد ليس كذلك.
وقال موسى بن عقبة: كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يكف عن قتال من لم يقاتله لقوله تعالى: {وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلًا} [النساء: 90] ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {براءة من الله ورسوله} إلى قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} الآيات [براءة: 1 - 5] .
(2) - وقوله تعالى: {فيسحوا} :
معناه فقل لهم يا محمد سيحوا في الأرض أي امشوا فيها آمنين هذه المدة. واختلفوا في أول هذه الأربعة الأشهر التي ذكرها الله تعالى.