وإن جعلت الجزية لدفع القتل ، فدفع القتل واجب ، كما أن الإسلام وجب لدفع العقاب ، ودفع العقاب واجب ، فإذا يجب أن يكون مخيرا بين الإسلام الذي يدفع به العقاب ، وبين الجزية التي يدفع بها القتل ، فعلى هذا يمكن أن يكون اختيار من اختار ، كون الجزية في مقابلة الذب والساكنة ضعيفا ، وإنما المعتمد كون الجزية دافعة للقتل في حق الكافر ، ونحن نأخذها لمنفعة المسلمين ، وغرضنا منها توقع إسلامه ، وفيه مصلحة له من هذه الجهة في دفع القتل عنه ، ومنفعة للمسلمين من هذه الجهة لا يبعد وجوبها.
وعلى أنه يقال: متى قلنا إن الجزية تقتضي العصمة كالإسلام ، فإنما نقول ذلك في أحكام الدنيا ، وفي أحكام الدنيا كلمة الشهادتين مثل الجزية.
ونحن نقول: يجب على الكافر كلمة الشهادتين ، ولا تنفعه الشهادة في إزالة العقاب ، وإنما ينتفع بالتوبة والإيمان والمعرفة ، وكذلك لا يحقن الدم ، ويتبين كيف يحسن دفع الجزية وأخذها وكيف يقبح.
وأما مقدار الجزية ، فليس في كتاب اللّه تعالى ، وهو مأخوذ من السنة ، ويجوز أن يكون للاجتهاد مدخل فيه على ما بيناه في الفقه.
والذي يدل عليه القرآن ، أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين ، فإنه تعالى قال:
(قاتِلُوا ... حَتَّى) .
فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل ، ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلا لأنه لا مال له ، وقد قال تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ) ، ولا يقال لمن لا يملك: حتى تعطي ، والظاهر يقتضي أنه المفتدي بماله ، وأن ذلك كالعقوبة ، فلا تجب على السيد بسبب عبده.