ولقد أطلنا الاقتباس من نصوص السورة في هذا الاستعراض الإجمالي - قبل مواجهة هذه النصوص فيما بعد بالتفصيل - عن قصد ! ذلك أن سياق السورة يرسم صورة كاملة للمجتمع المسلم في فترة ما بعد الفتح , ويصف تكوينه العضوي . . وفي هذه السورة يتجلى نوع من الخلخلة وقلة التناسق بين مستوياته الإيمانية ; كما تتكشف ظواهر وأعراض من الشح بالنفس والمال , ومن النفاق والضعف , والتردد في الواجبات والتكاليف , والخلط وعدم الوضوح في تصور العلاقات بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى , وعدم المفاصلة الكاملة على أساس العقيدة - وإن كان هذا كله لا يتعارض مع وجود القاعدة الصلبة الأمينة الخالصة من المهاجرين والأنصار - مما استدعى حملات طويلة مفصلة ومنوعة للكشف والتوعية والبيان والتقرير , تفي بحاجة المجتمع إليها .
ولقد سبق أن أشرنا إجمالا إلى أن سبب هذه الحالة هو دخول جماعات كثيرة متنوعة من الناس في الإسلام بعد الفتح ; لم تتم تربيتها ; ولم تنطبع بعد بالطابع الإسلامي الأصيل . إلا أن هذه الإشارة المجملة لا يمكن فهمها بوضوح إلا بمراجعة الواقع التاريخي الحركي قبل الفتح وبعده . . وسنحاول أن نلم به هنا بأشد اختصار ممكن ; قبل التعليق بشيء على دلالة هذا الواقع التاريخي ومغزاه , ودلالة النصوص القرآنية التي وردت في سياق هذه السورة كذلك .
لقد ولدت الحركة الإسلامية في مكة على محك الشدة ; فلم تكد الجاهلية - ممثلة في قريش - تحس بالخطرالحقيقي الذي يتهددها من دعوة:"أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله"وما تمثله من ثورة على كل سلطان أرضي لا يستمد من سلطان الله ; ومن تمرد نهائي على كل طاغوت في الأرض والفرار منه إلى الله . ثم بالخطر الجدي من التجمع الحركي العضوي الجديد الذي أنشأته هذه الدعوة تحت قيادة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)