"والعجب كل العجب , أن الذين عملوا على هذه الصورة ; وقاموا بما كان لهم من حظ موفور في إبرازها وعرضها على الأنظار , هم هم الذين مضت عليهم قرون وأجيال يتقاتلون ويتناحرون فيما بينهم إرضاء لشهواتهم الدنيئة وإطفاء لأوار مطامعهم الأشعبية , وتلك هي حربهم الملعونة غير المقدسة [] التي أثاروها على الأمم المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها , وجاسوا خلال ديارهم يبحثون عن أسواق لبضائعهم وأراض لمستعمراتهم التي يريدون أن يستعمروها , ويستبدوا بمنابع ثروتها دون أصحابها الشرعيين , ويفتشون عن المناجم والمعادن , وعما تغله أرض الله الواسعة من الحاصلات التي يمكن أن تكون غذاء لبطون مصانعهم ومعاملهم . يبحثون عن كل ذلك وقلوبهم كلها جشع وشره إلى المال والجاه . وبين أيديهم الدبابات المدججة , وفوق رؤوسهم الطائرات المحلقة في جو السماء , ووراء ظهورهم مئات الألوف من العساكر المدربة يقطعون على البلاد سبل رزقها , وعلى أهاليها الوادعين طريقهم إلى الحياة الكريمة , يريدون بذلك أن يهيئوا وقوداً لنيران مطامعهم الفاحشة التي لا تزيدها الأيام إلا التهاباً واضطراباً . فلم تكن حروبهم في"سبيل الله", وإنما كانت في سبل شهواتهم الدنيئة , وأهوائهم الذميمة . ."