{مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ؛ أي: فاستخرج الذريات المودعة في ظهور بني آدم عليه السلام من ذريته إلى يوم القيامة من ظهر آدم عليه السلام وهو في العدم بعد، {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} [مريم: 9] فكان هذا الاستخراج قدمياً، وآدم عليه السلام عدمياً فتجلى عليهم بالصفة الربوبية ورباهم لا هُمْ، فبوجوده جعل وجودهم وجوداً هو به؛ أي: أعطاهم شهوداً هو به يشاهدون به بأنفسهم المعدومة، فكانوا يسمعون الخطاب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} [الأعراف: 172] من لسان حال التجلي، وبه أجابوه: {قَالُواْ بَلَى} [الأعراف: 172] أنت ربنا الذي أعطيتنا وجود الأنانية ربانية به سمعنا كلامك وبه أجبنا خطابك، فالمسبحون منهم كانوا على ثلاث طبقات:
السابقون وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: {وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ} [النحل: 78] كما يناسب تلك الحالة، ثم نظر إلى السابقين بنظر المحبة فجعلهم مستعدين لمحبته؛ كقوله تعالى: {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [المائدة: 54] ، ونور سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم بأنوار المحبة، فلما قال: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} فبالسمع المنور بنور المحبة سمعوا خطابه، وبالأبصار المنورة شاهدوا جماله، وبالقلوب المنورة نظروا لقائه وفهموا خطابه، فأجابوه بلسان المحبة شوقاً وصدقاً وتعبداً ورقاً وإيماناً حقاً؛ لاختصاصهم بنور المحبة، قالوا: بلى أنت ربنا ومحبوبنا ومعبودنا.
وأمَّا أصحاب الميمنة: فإن لم يختصوا بنور المحبة فلم يبتلوا بنار المحبة كما ابتلى بها أصحاب المشأمة، فسمعوا الخطاب بالسمع الرباني، وأبصروا الشواهد بالأبصار الربانية؛ وفهموا تعريف الوحدانية بالقلوب الربانية؛ فأجابوه بلسان الإيمان: {قَالُواْ بَلَى} أنت ربنا ومعبودنا.