فإن الرسالة تتعلق بأحكام الظاهر، والنبوة تتعلق بأحكام الباطن، فللعوام شركة مع الخواص في الانتفاع من الرسالة، وللخواص اختصاص بالانتفاع من النبوة، فمن أدى حقوق أحكام الرسالة في الظاهر يفتح له أحوال النبوة في الباطن، من مقام الأنبياء تنبئة الحق تعالى بحيث يصير صاحب الإشارات والإلهامات الصادقة والرؤيا الصالحة والهواتف الملكية، وربما يؤول حاله إلى أن يكون صاحب المكالمة والمشاهدة والمكاشفة، ولعل ما يصير مأموراً بدعوة الخلق إلى الحق في المتابعة لا بالاستقلال، كما قال صلى الله عليه وسلم:"علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"يشير إلى هذا المقام، وذلك أن المتقدمين من بني إسرائيل في زمن الأنبياء - عليهم السلام - لما وصلوا إلى مقام الأنبياء أعطوا النبوة - والله أعلم - وكانوا مقررين لدين رسولهم، حاكمين بالكتب المنزلة على رسلهم، فكذلك هؤلاء القوم كما قال: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [الأنبياء: 37] .
وأما أتباعه في مقام أمته صلى الله عليه وسلم فكذلك مخصوص بأخص الخواص من متابعيه، وهوأنه صلى الله عليه وسلم رجع بالسير من مقام بشريته إلى مقام روحانيته الأولى، ثم بجذبات الوحي أنزل في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار الهوية عن أنانيته إلى مقام الوحدة كما قال: {أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [الكهف: 110] كما قال تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 8 - 9] ، فقاب قوسين عبارة عن: مقام التوحيد، أو أدنى: عن مقام الوحدة تفهم - إن شاء الله تعالى - فمن رجع بالسير في متابعته عن مقام البشرية إلى أن بلغ مقام الروحانية، ثم بجذبات النبوة في مقام التوحيد، ثم اختطف بأنوار المتابعة عن أنانيته إلى مقام الوحدة، فقد حظي بمقام أميته صلى الله عليه وسلم.