{أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا} [الأعراف: 129] ؛ أي: من قبل أن تأتينا الواردات الروحيات قبل البلوغ كما نتأذى من أوصاف البشرية، {قَالَ} [الأعراف: 129] ؛ يعني: الروح، {عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ} [الأعراف: 129] النفس وصفاتها بالواردات الربانية ويدفع أذيتها عنكم، فيه يشير إلى أن الواردات الروحانية لا تكفي لإفناء النفس وصفاتها ولا بدَّ في ذلك من تجلي صفات الربوبية، {وَيَسْتَخْلِفَكُمْ} [الأعراف: 129] ؛ يعني: إذا تجلى الرب بصفة من صفاته لا يبقى، {فِي الْأَرْضِ} [الأعراف: 129] أرض البشرية من صفات النفس إلا ويبدلها بصفات الروح والقلب ويستخلفها في الأرض، {فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 129] في إقامة العبودية وأداء شكر نعم الربوبية.
ثم أخبر عما اختبر به آل فرعون بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: 130] إلى قوله: {وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136] الإشارة فيها: أن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَآ آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130] الآية دلالة على أن المحن والشدائد والمصيبات موجبات الانتباه والاعتبار ولكن لأهل السعادة وأولي الأبصار، فأما أهل الشقاوة فلو شدَّد عليهم وطأة القدرة وضاعف عليهم أسباب النعمة، فلا الوطأة أصلحتهم شِدَّتُها، ولا النعمة نبهتهم كثرتها، لا بل إنْ مَسَّهم يُسْرٌ لاحظوه بعين الاستحقاق، {فَإِذَا جَآءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ} وإن منهم عُسر حملوه على التطير كما قال تعالى: {وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَهُ} [الأعراف: 131] الكفور لا يرى فضل المنعم فيلاحظ الإنسان بعين الاستحقاق، ثم إذا اتصل به شيء مما يكره تجنَّى وحل الأمر على ما كان يتمنى كما قال: