ثم أخبر عن بيان [جهات عداوتهم] بقوله: {ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ} [الأعراف: 17] ، الإشارة فيها: أن الشيطان لا يأتي من جهة من الجهات إلاَّ وللنفس الإنسانية بقية من الصفة [التي] تتعلق بتلك الجهة، واعلم أن للنفس في كل جهة من الجهات حظوظاً مختلفاً بحسب صفاتها؛ ولذلك فسر كل واحد من المفسرين قوله: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} ؛ بمعنى آخر نظرهم على بيان صفة النفس التي هي مدخل الشيطان فقال: {لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} من قِبِل الحسد فأزين لهم الحسد على الأكابر من العلماء والمشايخ في زمانهم؛ ليطعنوا في أحوالهم وأعمالهم وأقوالهم وتنكرون عليهم فيضلوا ويعلموا الخلق بإغوائهم إظهاراً للخيرية لأنفسهم، كما كان حال إبليس مع آدم عليه السلام، {وَمِنْ خَلْفِهِمْ} ومن خلفهم من قِبَل المعصية، فآمرهم؛ ليطعنوا في المتقدمين من الصحابة والتابعين والعلماء والمشايخ الماضيين ويقدحوا فيهم ويبغضوهم ويفتروا عليهم ويرون عليهم ما لايرون.
{وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ} [الأعراف: 17] من قِبَل إفساد ذات البيِّن؛ فأفسد ما بينهم وبين الإخوان في الدين وألقى بينهم العداوة والبغضاء، {وَعَن شَمَآئِلِهِمْ} [الأعراف: 17] ، من قِبَل ترك النصيحة مع أهاليهم وأقاربهم وأصدقائهم؛ فأمرهم بالخيانة معهم وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمكر والخداع مع عامة المسلمين وفي معاملاتهم.