وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَمُدُّونَهُمْ} فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ، فَقَرَأَهُ بَعْضُ الْمَدَنِيِّينَ: (يُمِدُّونَهُمْ) بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَمْدَدْتُ.
وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ: {يَمُدُّونَهُمْ} بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ مَدَدْتُ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: {يَمُدُّونَهُمْ} بِفَتْحِ الْيَاءِ لِأَنَّ الَّذِي يَمُدُّ الشَّيَاطِينَ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنَّمَا هُوَ زِيَادَةٌ مِنْ جِنْسِ الْمَمْدُودِ، وَإِذَا كَانَ الَّذِي مَدَّ مِنْ جِنْسِ الْمَمْدُودِ كَانَ كَلَامُ الْعَرَبِ مَدَدْتُ لَا أَمْدَدْتُ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يُقْصِرُونَ} فَإِنَّ الْقُرَّاءَ عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: أَقَصَرْتُ أُقْصِرُ، وَلِلْعَرَبِ فِيهِ لُغَتَانِ: قَصَرْتُ عَنِ الشَّيْءِ، وَأَقْصَرْتُ عَنْهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا لَمْ تَأْتِ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِآيَةٍ مِنَ اللَّهِ
{قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا}
يَقُولُ: قَالُوا: هَلَّا اخْتَرْتَهَا وَاصْطَفَيْتَهَا، مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ}
يَعْنِي: يَخْتَارُ وَيَصْطَفِي.
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ بِشَوَاهِدِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: هَلَّا افْتَعَلْتَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ وَاخْتَلَقْتَهَا، بِمَعْنَى: هَلَّا اجْتَبَيْتَهَا اخْتِلَافًا كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: لَقَدِ اخْتَارَ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ وَتَخَيَّرَهُ اخْتِلَافًا
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: هَلَّا أَخَذْتَهَا مِنْ رَبِّكِ وَتَقَبَّلْتَهَا مِنْهُ