يَعْنِي: خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَمَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ فَخُذْهُ. فَكَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ بَرَاءَةٌ بِفَرَائِضِ الصَّدَقَاتِ وَتَفْصِيلِهَا وَمَا انْتَهَتِ الصَّدَقَاتُ إِلَيْهِ""
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَتَرْكِ الْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ قِتَالُهُمْ عَلَيْهِ
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ:" {خُذِ الْعَفْوَ} قَالَ: أَمَرَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ عَشْرَ سِنِينَ بِمَكَّةَ. قَالَ: ثُمَّ أَمَرَهُ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ وَأَنْ يَقْعُدُ لَهُمْ كُلَّ مُرْصَدٍ وَأَنْ يَحْصُرَهُمْ، ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} الْآيَةَ كُلَّهَا، وَقَرَأَ: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ} قَالَ: وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً} بَعْدَمَا كَانَ أَمَرَهُمْ بِالْعَفْوِ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ} ثُمَّ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا الْإِسْلَامُ أَوِ الْقَتْلُ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَفْوَ"
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: خُذِ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَاتْرُكِ الْغِلْظَةَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ: أُمِرَ بِذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُشْرِكِينَ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَتْبَعَ ذَلِكَ تَعْلِيمَهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاجَّتَهُ الْمُشْرِكِينَ فِي الْكَلَامِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: {قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ} ، وَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا} فَمَا بَيْنَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ تَأْدِيبِهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عِشْرَتِهِمْ بِهِ أَشْبَهُ وَأَوْلَى مِنَ الِاعْتِرَاضِ بِأَمْرِهِ بِأَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَفَمَنْسُوخٌ ذَلِكَ؟