وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أن هذه الآية عامة، ويجب الإنصاف لقارئ الطريق، ومعلم الصبيان، وليس الأمر على ما ذهبوا إليه؛ فإن هذا الإنصات إنما يجب في الصلاة، وعند الخطبة يوم الجمعة، على ما ذكرنا عن الأئمة والسلف؛ يدل على هذا ما روى الجريري عن طلحة بن عبيد الله بن كريز قال: (رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان والقاص يقصّ فقلت: ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود، فنظرا إليّ وقالا: إنما ذلك في الصلاة: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا} . ثم أقبلا علي حديثهما) .
205 -قوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ} ، الخطاب في هذا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ، وغيره داخل فيه لأنه عام لسائر المكلفين.
قال ابن عباس: (يعني بالذكر القراءة في الصلاة) .
{تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} قال: (يريد: يتضرع إليّ ويخاف مني) .
ومعناه: استكانة لي وخوفًا من عذابي.
{وَخِيفَةً} قال الزجاج: (أصلها خوفة. فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها) ذكر ذلك في سورة طه. {وَدُونَ الْجَهْرِ} دون الرفع {مِنَ الْقَوْلِ} من القرآن.
قال: (يريد: لا ترفع بذلك صوتك، تسمع نفسك، وإن جاوزك إلى من هو إلى جانبك فلا بأس) . {بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ} . قال: (يريد: بكرة وعشيًا، يريد: الصلوات) .
فعلى هذا القول الآية وردت في القراءة في الصلوات كلها لقوله تعالى: {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الأنعام: 52] .
وقد مر، فأمر ان يقرأ في نفسه في بعضها وهو صلاة الإسرار، ودون الجهر في بعضها وهو ما يرفع فيها الصوت بالقراءة والمسنون دون الجهر لقوله: {وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا} [الإسراء: 110] .
وقال قتادة: (أمر الله بذكره ونهى عن الغفلة، أما {بِالْغُدُوِّ} فصلاة الصبح، وأما بالعشي فصلاة العصر) ، وعلى هذا القول الآية مقصورة على الصلاتين.