كل شيء، والمثال الصالح الوحيد في كل صفة أو خلق أو عمل لَقَدْ كَانَ لَكُمْ
فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (الأحزاب: 21) .
ألا ترى أنه أوجد من العدم أمّة حملت لواء العلم والعز، والمجد والمدنية
الصحيحة، والحرية والإخاء والمساواة إلى أمم الأرض قاطبةً؟ مع شدة الحاجة إلى
بعثته في ذلك الزمن الذي ساد فيه الاختلال والفساد والكفر والظلم والاستبداد وسوء
الحال والجهل؛ فغيرت وجهَ الأرض، وقلبت نظامات الأمم، وصبغتها بصبغتها
في اللغة والدين والأخلاق في سنين قليلة، وبسرعة خارقة للعادة.
انظر إلى دول هذا العصر مع عظمتها وقوتها وعلمها وأموالها واقتدارها، كيف
عجزت عن صبغ محكوميها بصبغتها في الدين واللغة والجنس والأخلاق، مع
صرف كل مجهوداتها ومعلوماتها وأموالها واقتدارها في ذلك؛ فلم تزد الناس منها إلا
نفورًا وسخطًا وبغضًا مع مضي المدد الطويلة عليها وتسلطها على جميع مصادر حياة
تلك الأمم فلم تنل منها مع قوتها في السنين العديدة ما ناله العرب مع ضعفهم في
السنين القليلة؟
فمحمد صلى الله عليه وسلم الذي أوجد تلك الأمة، وذاك الدين، وتلك الدول
الآخذة بتعاليمه المتأثرة بأقواله وأفعاله إلى اليوم، والذي له أكبر سلطان على نفوس
الملايين من البشر، أيكون له كل هذا الاقتدار وذاك السلطان مع مرور الأعوام
والدهور ودينُهُ لا يزداد إلا انتشارًا - أيكون كل ذلك بدون عون إلهي ومدد رباني؟
نَبِّئُونِي بعلم إن كنتم صادقين. أي نظير له بين البشر؟ أي مثال له بين
الناس؟ ولماذا كان متفردًا وخارقًا للعادة في كل شيء؟ أي مصلح قام بين البشر
وكان مثله في حاله ونشأته، وكانت أمته كأمته العربية البدوية الأمية وكان منه ما
كان من محمد صلى الله عليه وسلم في العالم وبسرعة عجيبة كهذه أو دام عمله في
الأرض إلى اليوم؟ ولماذا خاب كل مُدَّعٍ للنبوة مِن بَعْدِهِ وفشل - تصديقًا لقوله عن
نفسه: إنه خاتم النبيين -؟ فيا أيها المؤرخون المفكرون والباحثون المتدبرون في
أحوال الاجتماع وطبائع البشر: لماذا كان محمد شاذًّا فذًّا في جميع أعماله دون سائر