يساعدون الناس في تأدية هذه الفروض الدينية , فيرشون دم الذبائح على المذبح
ويحرقون المحرقات والقرابين , وقد يذبحون لهم بعض الذبائح أيضًا , وإن كان
الذبيح في الغالب هو الشخص المقرّب نفسه.
وزيادة على ذلك كان الكهنة ينظرون في بعض مصالح العباد , ويفسرون لهم
الشريعة , ويُفتونهم , ويقضون بينهم في بعض المسائل , ويرشدونهم إلى كيفية
تأدية عباداتهم.
فالكاهن إذًا هو عبارة عن إمام لهم في عباداتهم , ورئيس لهم في دينهم
ومعلم , ولما كان محمد صلى الله عليه وسلم هو رئيس المسلمين وإمامهم الأعظم
فكان يعلمهم الدين , ويقضي بينهم , وينظر في جميع مصالحهم , ويرأسهم في
عباداتهم , ويأتمون به في جميع صلواتهم وفي حجهم , ويخطب فيهم في أيام
أعيادهم وجمعهم وموقفهم بعرفة , ويقلدونه في ضحاياهم وذبائحهم , ويقتدون به في
كل شيء , وهو الذي أحيا فيهم سنن إبراهيم في الحج والذبح وغيرهما , وكان كما
رواه أبو داود يضحي عن نفسه وعمن لم يضحِّ من أمته وهم الفقراء؛ فلهذا كله كان
صلى الله عليه وسلم هو كاهنهم الأعظم , وكل إمام لهم غيره إنما هو نائب
عنه , فهو إمامهم في كل مكان وزمان , وبمثل تعبيرهم هو كاهنهم الأعظم إلى الأبد ,
فهو رئيس وكاهن ومعظِّم لإبراهيم ومحب له كملكي صادق من كل وجه.
ولا شك أن المسيح كان أقل درجة من محمد في كل تلك الوظائف الكهنوتية
السابقة , ولم يكن له من الشأن في قومه مثل ما لمحمد؛ فلذا كان محمد أولى
بالتشبيه بالكاهن [1] من المسيح عليه السلام.
وإذا لاحظنا أن صلب المسيح المزعوم لم يكن برغبته ولا بإرادته كما سبق
بيانه (فى مقالة القرابين والضحايا) , وسنزيد ذلك إيضاحًا: أعني أنه لم يقرِّب
نفسه باختياره , ولم يعمل أي عمل أثناء صلبه من أعمال الكهنة في القرابين:
كالإحراق , ورش المذبح بالدم , فهو لم يمتز في هذه المسألة بشيء عن محمد
عليهما السلام , بل هو فيها لم يكن بكاهن مطلقًا , بل كان نفس (القربان) ولذا
تسميه كتبهم ويسمونه (الخروف المذبوح) (راجع مثلاً سفر الرؤيا 5: 12)
وشتان ما بين القربان نفسه وبين الكاهن , ففي حادثة الصلب كان اليهود
(1) الكاهن المراد به في هذا الكتاب: هو المعروف عند النصارى واليهود لا كاهن العرب الذي يزعم اتصاله بالجن , ويخبرهم عن المستقبل مدعيًا علم الغيب.