إسرائيل ولا علاقة له بالمسيح عليه السلام ومما يؤيد ذلك قوله فيما سبق:(ضرب
من أجل ذنب شعبي)فإن أصله العبري (ضربوا من أجل ذنب شعبي)
بالجمع؛ لأن الكلام في بني إسرائيل ولكن أبى النصارى إلا أن يترجموها بالإفراد
ليحملوها على المسيح تحريفًا منهم للكلام وكذلك قوله: (أحصي مع أثمة)
ينطبق على بني إسرائيل أكثر من انطباقه على المسيح فإنهم عُدُّوا في بابل مع الكفرة
الوثنيين، وأما المسيح فقالوا: إن ذلك إشارة لصلبه مع اللصين وكذلك قال مرقس في
إنجيله 15: 28 مع أن لوقا يقول 23: 42: إن المسيح قال لأحدهما:(إنك اليوم
تكون معي في الفردوس)فكيف يكون هذا آثمًا فحينئذ لم يكن معه آثم سوى واحد فقط ولكن أشعياء يقول (وأحصي مع أثمة) فلذا قلنا: إنه أظهر في قولنا منه في
قولهم على أن صلب اللصين عجيب غريب؛ لأن شريعة موسى لا توجب القتل
على السارق إلا إذا سرق إنسانًا ولا توجب عليه الصلب وإنما يعلق على الخشبة
بعد موته (راجع خر 21: 16 و 22: 1 وكذا تث 21: 22 و 23) والشريعة
الرومانية لا يوجد فيها الصلب للصوص وهم أحياء بل كان الجلد عندهم عقاب
السارق. فكيف صلب هذان اللصان وهما أحياء؟ وبحسب أي شريعة كان ذلك؟؟
وكيف يجمع بين قول إنجيل مرقس 15: 32: إن اللصين كانا يعيران المسيح
وقول لوقا 23: 39 - 43 إن الذي عيره واحد منهما؟ فإن قيل: إنهما عيراه في
أول الأمر ثم تاب أحدهما. قلت: هذا تلفيق واختراع لم يرد في الإنجيل ما يشير
إليه بل يفهم منه خلافه.
وجملة القول أن الإصحاح الثاني والخمسين والثالث والخمسين لا علاقة لهما
بالمسيح مطلقًا وهما مختصان بشعب إسرائيل. وما في الإصحاح الثالث والخمسين
من التعبيرات والأفكار المتعلقة بالفداء وحمل الآثام وعقاب البريء بذنب المذنب
حمله اليهود المنتصرون في مبدأ المسيحية كبولس وأضرابه إلى ديانتهم الجديدة
فأدخلوا فيها هذه العبارات والأفكار وطبقوها على المسيح ثم توسعوا فيها شيئًا فشيئًا
حتى وصلت عقائدهم إلى ما نعرفه عنهم اليوم ومما ساعد على انتشارها بين الناس
وجود أمثالها عند الأمم الوثنية من قديم الأزمان كما أثبته صاحب كتاب (العقائد