حتى إن القارئ عندما يتلو"نصاً فيه تلك الأوصاف يحس - وهو يتلو - بأن ذات الموصوف قد مثلت أمامه نموذجاً واضحاً."
وإن كان سراً في ضمير الغيب.
وهذا منحى له وزنه في بلاغة القول ، وفنون التعبير . فنحن نعد الكاتب
الذي يخط قصة . أو يصف واقعة وصفاً دقيقاً . ويرسم الأشخاص رسماً عادقاً.
حتى يسلب القارئ حدود الزمان والمكان ، فتجيء قصته عملاً فنياً محكماً
ووصفه شاملا.
نعد هذا الكاتب أو الواصف قد ملك من البيان قدراً كبيراً ومن البلاغة حظاً
وفيراً.
وفوق هذا وذاك بيان القرآن وبلاغة القرآن.
* الطيبات والخبائث:
(وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ) .
هذان وصفان للرسول ذكرا بعد وصفين آخرين هما:
(يَأمُرُهُم بالمعْرُوف وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المنكَرِ) .
وأصل الحل حل العقدة ، ومنه قوله تعالى: (واحْللْ عُقْدَةً مًن لسَانِي) .
واستعماله هنا في الحل - الذي هو ضد المنع - ففى أصل هذا التعبير مجاز
ولكنه كثر استعماله حتى عار كالحقائق اللغوية . فكأن المحلل كان معقوداً ففك عقده وحل.
والطيب ما لذ حساً . فعبَّر به عن الحلال ترغيباً فيه.
والتحريم: المنع . والمراد به هنا المنع الشرعي .
والأصل في الخبيث: القبيح وما لا يوافق النفس حساً أو عقلاً.
سمى الحرام خبيثاً من باب المجاز تشبيهاً له بالقبيح الذي تعافه النفس وتمجه الطباع . تنفيراً منه ، وتزهيداً فيه.
فقد وضع كل لفظ في موضعه اللائق به.
واستعير للحلال ما يُرغب فيه ، وللحرام ما يُنفر عنه.
*"حل"في القرآن:
واستعمال مادة"حل"في القرآن له ثلاثة أنواع:
أولاً . أن يكون بمعنى الإزالة والفك ، ومثاله قوله تعالى حكاية عن
موسى عليه السلام داعياً متضرعاً: (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي(27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) . .
أي أزل وفك.
ثانياً: أن يكون بمعنى الإباحة والجواز.