ويلاحظ - كذلك - أن المجاز فيها متردد بين الاستعارة والمجاز المرسل ، وقد
بينا وجه الاستعارة في صدر هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها . .
أما المجاز المرسل فظاهر في قوله تعالى: (وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا(5) .
وقد قلنا: إن معنى المجاز هنا هو التملى - حسب زعمهم - والتملى صائر
إلى الكتابة فعلاقته اعتبار ما سيكون ، والقرينة امتناع إيقاع الكتابة دون
مصدر يمد بما سموه: أساطير الأولين.
* التوبة والرجوع الحسي:
و (هُدنا إليْكَ) : أي تبنا . من هاد يهود - إذا رجع . أو هاد يهيد.
والمعنى حركنا إليك أنفسنا وأملناها نحوك ، ويجوز على ما ذكره الزمخشري
أن يكون الفعل مبنياً للمفعول . .
أي: حركت إليك أنفسنا وأميلت .
وفى التعبير عن التوبة بالرجوع الذي هو عدول السائر عن وجهة كان يريدها
إلى أخرى عرضت له مجاز يجوز حمله على وجهين:
الأول: أن يكون تمثيلاً شبهت فيه هيئة التائب - وهي أمر معنوي - بهيئة
الراجع ، وهي أمر حسي . وسره التقرير والإيضاح.
والجامع بين الأمرين رجوع التائب عن المعاصي والإقبال على الطاعات ورجوع السائر عن وجهته إلى أخرى.
فالعدول هو الأمر الجامع بين الأمرين.
والقرينة استحالة الرجوع المحسوس إلى الله.
لأنه غير حال في مكان دون آخر يرجع إليه فيه.
الثاني: أن يكون استعارة مفردة شبهت فيه التوبة
بالرجوع - مطلق رجوع - والجامع والقرينة كما سبق ، فهي استعارة تصريحية أصلية.
* التعميم والتخصيص في الرحمة:
(وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) .
رحمة الله: نعمه وألطافه.
والرحمة في الأصل: الشفقة والحنان.
مشتقة من"الرحم"الذي هو موضع نمو الجنين لا يلقاه فيه من أسباب الراحة ووجوه الإنعام.
ويراد بها في جانب الله لازمها . وهو ما يترتب عليها من الإكرام والتنعيم
والإلطاف.