قال الآلوسي: اختلف في اللام، فقيل هي بمعنى (في) وقال ابن جني: بمعنى (عند) وقال الرضي: هي المفيدة للاختصاص، وهو على ثلاثة أضرب: يختص الفعل بالزمان لوقوعه فيه: كتبته لغرة شعبان، ووقوعه بعده: كتبته لخمس خلون من رجب، ووقوعه قبله: كتبته لليلة بقيت من رمضان.
وحكى السيوطي: لوقتها أي في وقتها أو إلى وقتها.
وقال الزركشي: لوقتها أي في وقتها ومثله: ابن هشام، والأشموني، وأبو حيان، والسيوطي.
والأصل في كل حرف ألا يدل إلا على ما وضع له كما قال ابن الأنباري.
وقال الرازي: التجلية: إظهار الشيء ، والمعنى لا يظهرها في وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو.
اقول: ولعل تضمين (جلَّى) معنى (أبدى) وضده (أخفى) والمتعدي باللام - لا يبديها لوقتها ويظهرها إلا هو - يفي بالغرض ونتحامى به تجشم الكلفة، ومشقة التأويل، وهل التجلية إلا كشف الستار عن المغيب ليبدو
ويظهر؟ وإنما تنكشف البراعة في صياغة هذه الحروف عند معرفة وجه التأويل في تضمين أفعالها المتعدية بها. ففي التجلية إزاحة الستر المسدل أمام باب الغيب الموصد وفي (جلَّى) تعمُّل وتكلُّف لخُطى الكشْف عن قصدٍ لغرض البدوِّ وما فيه من الإظهار، وتبقى اللام على أصلها ليست بمعنى (في) ولا معنى (إلى) ولا عند و... ويبقى للتجلية ما ليس للبدوِّ في إدراك المطلب وقضاء الحاجة، والإبانة عن الغرض، وللسياق حكمه في توجيه المعنى والدلالة على القصد فجمع التضمين المعنيين في قضاء الحوائج فكان في بهاء صورته ودقة لمحاته رطبا جنيا لمشتهيه.
أما الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - على قربه من ربه فهو (بَشَر) أمام عالم الغيب (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ) فكيف يوجهون إليه هذا السؤال؟!.
فاللَّه يلفتهم عن السؤال عن موعدها إلى الاهتمام بهولها وخطرها.
(فائدة) في قوله تعالى: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا)
حفي به حفوا وحفاوة: بالغ في إكرامه وتلطف به فهو حاف وحفي، وأحفى في السؤال: ألحف.
وذكر الراغب: الإحفاء: الإلحاح في المطالبة أو البحث عن تعرف
الحال (إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) .
وقال أبو حيان: (عنها) متعلق بـ يسألونك، وصلة حفي محذوفة أي بها. أو متعلق بـ حفي على جهة التضمين، والتقدير: كأنَّك كاشف بحفاوتك عنها. أو (عن) بمعنى الباء، وذكر مثل ذلك العكبري والجمل.