وذكر الجمل: أن فوقهم فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بمحذوف حال من الجبل، والثاني: أنه ظرف لـ نتقنا قاله الحوفي وأبو البقاء ولا يمكن ذلك إلا أن يُضمن معنى فعل يمكن أن يعمل في فوقهم أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) والنتق: قلع الشيء من موضعه والرمي به، وقيل: النتق: الجذب بشدة. وقال الفراء: هو الرفع، وقال ابن قتيبة: هو الزعزعة وقد عرفت أن فوقهم يجوز أن يكون منصوبا بنتق لأنه بمعنى رفع. اهـ.
وفي لسان العرب: النتق: الزعزعة والهز والجذب والنفض. ونتق الشيء جذبه واقتلعه وقال الفراء: نتقنا أي رفعنا
أقول: تضمين (نتق) هنا على اختلاف طعومه وألوانه وأشكاله من الرفع والجذب والقلع والزعزعة والنفض لدى المفسرين جعل اللازم متعديا ليكون معجزة في بني إسرائيل وآية للأمم، تشهد على انطماس نور البصيرة لهذه الملة - يهود - في نقض العهود ورد المواثيق. إنه الميثاق أخذه سبحانه على بني إسرائيل في ظرف لا يمكن أن يَنسَوْه أبدا. رفع الله الجبل فوقهم كأنه ظلة، فأعطوه موثقهم في ظل هذه المعجزة المهولة خشية أن يسقط فوقهم.
لكن يهود هي اليهود، نقضت الميثاق ونسيت العهد ولَجَّت في المعصية فحق عليها القول ... وما ربنا بظلام للعبيد.
إنه التضمين وإنه البدر المنير يكشف الغامض ويُنير السبيل، ناهيك به ولا معدل بك عنه.
(وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ(181)
ذكر الفيروزابادي: هداه اللَّه الطريق وله وإليه. فهدى لا وجه له في تعديته بالباء.
وروى الطبري في تفسيره: يهدون بالحق أي يستقيمون عليه ويعملون، وبه يعدلون وبالحق يعطون ويأخذون وينصفون من أنفسهم فلا يجورون.
وقال الرازي: لا يخلو زمان عن من يقوم بالحق ويعمل به ويهدي إليه. ومثله أبو حيان: البحر: 4/ 430.
وذكر ابن كثير: يهدون بالحق: يقولونه ويدعون إليه، قال سعيد عن قتادة: عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يقول:"إذا قرأ هذه الآية: (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ) : هذه لكم، وقد أُعطي القوم بين أيديكم مثلها."
وذكر الآلوسي ومثله أبو السعود: يهدون الناس متلبسين بالحق، أو يهدونهم بكلمة الحق، وبالحق يحكمون في الحكومات.