وذكر الآلوسي: قطع يقرأ مشدداً ومخففا، والأول هو المتواتر، ويتعدى لواحد، وقد يضمن معنى صيَّر فيتعدى لاثنين، فقوله: (اثْنَتَيْ عَشْرَةَ) حال أو مفعول ثانٍ أي فرقناهم معدودين بهذا العدد أو صيرناهم.
إنها الرعاية الربانية تشمل موسى عليه السلام كما شملت قومه بعد أن عبدوا العجل، ثم كفروا عن خطيئتهم فتاب اللَّه عليهم فطلبوا رؤية اللَّه جهرة فأخذتهم الرجفة ثم أحياهم بدعاء موسى لهم، تتجلى هذه الرعاية في ردهم حسب فروعهم اثنتي عشرة أمة. ترجع كل أمة منها إلى حفيد من أحفاد جدهم يعقوب وقد كانوا محتفظين بأنسابهم على الطريقة القبلية، وجعل اللَّه لكل منهم عينا فلا يعتدي بعضهم على بعض حين ضرب موسى بعصاه الحجر، وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى من أفخر الطعام.
ولكن الجبلة اليهودية ملتوية عن الاستقامة عصية عن الهدى، يأتيها الابتلاء فلا تصبر، لأن الصبر يحتاج إلى طبيعة ترتفع عن الأهواء والأطماع.
فتضمين التقطيع معنى (الرد) والمتعدي لمفعولين يستنيم إليه السياق لأنه عودة بهم إلى أصولهم الاثنتي عشرة أمة ترجع كل واحدة إلى حفيد. أما تقدير حال محذوفة فمستثقل، وأما التصيير فغير وارد. فكم كانوا حتى أصارهم إلى هذا العدد؟!.
والسؤال الآن: لم جاء التعبير بالتقطيع (وَقَطَّعْنَاهُمُ) بدلا من الرد؟ والجواب: لعل هذه الجبلة عصية عن الهدى كما جاء في ختام هذه الآية: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) .
وظلال التقطيع والتمزيق مستوحش يليق بظلمهم لأنفسهم بعد أن غَلّتْ نعمة اللَّه أيديهم فجاء ردهم إلى أصولهم بلفظ التقطيع والتمزيق، ليجمع التضمين المعنيين، ويتدثر بثوبين كل واحد ينبئ عن أخيه.
(وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ ...(171)
ذكر أبو حيان والعكبري: نتقنا: جذبنا بشدة، وفوقهم حال عاملها محذوف تقديره: نتقنا الجبل كائنا فوقه. وقال الحوفي وأبو البقاء: فوقهم ظرف لـ نتقنا، ولا يمكن ذلك إلا إن ضُمِّن نتقنا معنى فعل يمكن أن يعمل في (فوقهم) أي: رفعنا بالنتق الجبل فوقهم فيكون كقوله تعالى: (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ) .
وقال الزمخشري: نتقناه: قلعناه ورفعناه، ومنه نتق السقاء إذا نفضه ليقتلع الزبدة منه.