والمعنى: قل أَيها الرسول، لقومك، الجاحدين لرسالتك، المعرضين عن دعوتك: لِمَنْ هذا الكون: علويه وسفليه. بما فيه من عجائب وغرائب؟ {قُلْ لِلَّهِ} .
وإِنما أَمر اللهُ رسولَه بأَن يتولى الإِجابة عنهم، لأَن هذا الجواب معترف به منهم: لا يسعهم إِنكارُه. فقد كانوا يعترفون بذلك. قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ... }
فإذا سأَلتهم: لِم تعبدون غيره من أصنام وأَوهام. وأَنتم معترفون بذلك؟ أَجابوا بقولهم:
{ ... مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى ... }
والمقصود من السؤال - كما ذكر صاحب الكشاف - التبكيت والتوبيخ.
{كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ} :
أَي أَوجبها على نفسه، كَرَمًا منه وفضلًا. وقد شمِلَ برحمته في الدنيا المؤْمنَ والكافر، والْبَرَّ والفاجر. فلا تغترُّوا أَيها الكفار بما تنالون في الدنيا من رحمته. واعملوا ليومٍ يجمعكم فيه للحساب والجزاء. كما قال سبحانه:
{لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ} :
يؤكد الله تعالى في هذه الجملة: أَنه سَيُحْيِى الناسَ ويَبْعثُهم في يوم القيامة؛ الذي لا ينبغي أن يرتاب فيه عاقل.
ولا ريب أَن تهديد الناس بهذا اليوم العصيب، يعتبر من رحمة الله بالناس. إذ لولا الخوف من عذاب الله يوم القيامة، لَعَمَّ الفسادُ في الأَرض. واختلت نُظمُ الاجتماع، وأَكَلَ القويُ الضعيف؛ - ولا وازع ولا زاجر - فصار من رحمة الله التهديد بهذا الجمع، لأَجل الحساب والجزاء. كما أَنه حافز للمؤمنين على زيادة الطاعة، رغبة في حسن الجزاءِ.
{الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} :
أَي الذين خسروا أنفسهم بإِهدار قواهم العقلية، وتعطيلها عن النظر في آيات الله، فهؤلاءَ، لا يؤْمنون بما دعوتهم إليه، من توحيد الله، والإيمان بيوم البعث والنشور. انتهى انتهى {التفسير الوسيط، لمجموعة من علماء الأزهر} ..