عَنِ الضَّحَّاكِ، قَالَ: «خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَخَلَقَ النَّاسَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} قَالَ: خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ خَلَقَنَا مِنْ آدَمَ حِينَ أَخَذَنَا مِنْ ظَهْرِهِ""
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا} : ثُمَّ قَضَى لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَجَلًا، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ أَنْ يُخْلَقَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} : وَذَلِكَ مَا بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ
عَنْ قَتَادَةَ، «أَجَلُ حَيَاتِكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ وَأَجَلُ مَوْتِكَ إِلَى أَنْ تُبْعَثَ، فَأَنْتَ بَيْنَ أَجَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى»
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ قَضَى الدُّنْيَا وَعِنْدَهُ الْآخِرَةُ
عَنْ مُجَاهِدٍ: {قَضَى أَجَلًا} قَالَ: أَجَلَ الدُّنْيَا.
{وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} قَالَ: الْبَعْثُ
وَقَالَ آخَرُونَ: {قَضَى أَجَلًا} فَهُوَ النَّوْمُ تُقْبَضُ فِيهِ الرُّوحُ ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى صَاحِبِهَا حِينَ الْيَقَظَةِ.
{وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} هُوَ أَجَلُ مَوْتِ الْإِنْسَانِ""
وَقَالَ آخَرُونَ: خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ خَلَقَنَا مِنْ آدَمَ، أَخَذَنَا مِنْ ظَهْرِهِ، ثُمَّ أَخَذَ الْأَجَلَ وَالْمِيثَاقَ فِي أَجَلٍ وَاحِدٍ مُسَمًّى فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا""
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: ثُمَّ قَضَى أَجَلَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، {وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} وَهُوَ أَجَلُ الْبَعْثِ عِنْدَهُ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى نَبَّهَ خَلْقَهُ عَلَى مَوْضِعِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الَّذِي يَعْدِلُ بِهِ كُفَّارُكُمُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَابْتَدَأَكُمْ وَأَنْشَأَكُمْ مِنْ طِينٍ، فَجَعَلَكُمْ صُوَرًا أَجْسَامًا أَحْيَاءَ بَعْدَ إِذْ كُنْتُمْ طِينًا جَمَادًا، ثُمَّ قَضَى آجَالَ حَيَاتِكُمْ لِفَنَائِكُمْ وَمَمَاتِكُمْ، لِيُعِيدَكُمْ تُرَابًا وَطِينًا كَالَّذِي كُنْتُمْ قَبْلَ أَنْ يُنْشِئَكُمَ وَيَخْلُقَكُمْ.