بَيَّنَ تَعَالَى فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ أُصُولَ الدِّينِ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَشُبَهَاتِ الْكُفَّارِ عَلَى الرِّسَالَةِ مَعَ مَا يُدْحِضُهَا ، وَهَدَى رَسُولَهُ إِلَى سُنَّتِهِ فِي الرُّسُلِ وَأَقْوَامِهِمْ لِتَسْلِيَتِهِ وَتَثْبِيتِ قَلْبِهِ ، الْمُعِينُ لَهُ عَلَى الْمُضِيِّ فِي تَبْلِيغِ دَعْوَةِ رَبِّهِ ، ثُمَّ قَفَّى سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ بِتَلْقِينِهِ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ أُسْلُوبًا آخَرَ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَجِ عَلَى قَوْمِهِ ، وَهُوَ أُسْلُوبُ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ ، فِي مَوْضِعِ فَصْلِ الْخِطَابِ وَإِنْ كَانَ تَكْرَارٌ لِمَعْنَى سَبَقَ أَوِ اشْتَمَلَ عَلَى التَّكْرَارِ ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ التَّنْوِيعَ فِي الِاحْتِجَاجِ وَالتَّفَنُّنَ فِي أَسَالِيبِهِ مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدَّعْوَةِ إِلَى الدِّينِ وَإِلَى غَيْرِ الدِّينِ مِنَ الْمَقَاصِدِ الْبَشَرِيَّةِ أَيْضًا لِأَنَّ الْتِزَامَ دَلِيلٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَطْلُوبِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ تَكْرَارِ ذِكْرِهِ ، أَوْ إِيرَادَ عِدَّةِ أَدِلَّةٍ بِأُسْلُوبٍ وَاحِدٍ قَدْ يُفْضِي إِلَى سَآمَةِ الدَّاعِي مِنَ التَّكْرَارِ عَلَى رَغْبَتِهِ فِي الدَّعْوَةِ وَتَفَانِيهِ فِي نَشْرِهَا وَإِثْبَاتِهَا ، فَكَيْفَ يَكُونُ تَأْثِيرُهُ فِي الْمَدْعُوِّينَ الْكَارِهِينَ لَهُ وَلَهَا ، إِذَا لَمْ يَعْقِلُوا الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ أَوْ لَمْ تَتَوَجَّهْ قُلُوبُهُمْ إِلَى تَدَبُّرِ الْأُسْلُوبِ الْوَاحِدِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى عِدَّةِ أَدِلَّةٍ ؟ لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ فِي مُنْتَهَى السَّآمَةِ وَالضَّجَرِ مِنْ سَمَاعِ ذَلِكَ وَفِي غَايَةِ النُّفُورِ مِنْهُ ، كَيْفَ وَقَدْ كَانَ الْمُعَانِدُونَ مِنْهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ هَذَا الْقُرْآنِ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ عَلَى مَا امْتَازَ بِهِ فِي مَقَامِ التَّفَنُّنِ