(فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (أَيْ فَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِمْ لَمَّا كَفَرُوا بِتِلْكَ النِّعَمِ وَكَذَّبُوا الرُّسُلَ أَنْ أَهْلَكْنَا كُلَّ قَرْنٍ مِنْهُمْ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَقْتَرِفُونَهَا . وَأَنْشَأْنَا أَيْ أَوْجَدْنَا مِنْ بَعْدِ الْهَالِكِينَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ قَرْنًا آخَرِينَ يُعَمِّرُونَ الْبِلَادَ وَيَكُونُونَ أَجْدَرَ بِشُكْرِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا . وَالذُّنُوبُ الَّتِي يُهْلِكُ اللهُ بِهَا الْقُرُونَ وَيُعَذِّبُ بِهَا الْأُمَمَ قِسْمَانِ:(أَحَدُهُمَا) مُعَانَدَةُ الرُّسُلِ وَالْكُفْرُ بِمَا جَاءُوا بِهِ . (وثَانِيهِمَا) كُفْرُ النِّعَمِ بِالْبَطَرِ وَالْأَشَرِ وَغَمْطُ الْحَقِّ وَاحْتِقَارُ النَّاسِ وَظُلْمُ الضُّعَفَاءِ ، وَمُحَابَاةُ الْأَقْوِيَاءِ ، وَالْإِسْرَافُ فِي الْفِسْقِ وَالْفُجُورِ ، وَالْغُرُورُ بِالْغِنَى وَالثَّرْوَةِ ، فَهَذَا كُلُّهُ مِنَ الْكُفْرِ بِنِعَمِ اللهِ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ مَا يُرْضِيهِ مِنْ نَفْعِ النَّاسِ وَالْعَدْلِ الْعَامِّ ، وَالْأَيَّامُ النَّاطِقَةُ بِتِلْكَ الذُّنُوبِ مُجْتَمِعَةٌ وَمُتَفَرِّقَةٌ كَثِيرَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ) (28: 58 ، 59) (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) (11: 102) (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً