وهكذا الكون ، طرأ الإنسان عليه وتساءل من الذي خلقه . ذلك أن الإنسان جاءته الغفلة بعد أن عرف آدم ربه وبعد أن أشهد الحق ذرية آدم أنه ربهم . ثم أرسل الحق الرسل ليبلغوا الخلق منهجه واسمه وصفاته . وأراد سبحانه بذلك ألا يرهق خلقه ، وأبلغ الناس من خلال الرسل أنه الخالق الأكرم .
وآفة الفلاسفة أنهم لم يكتفوا بتعقل الإله ، بل أرادوا أن يتصوروه ، وهذا أمر غير ممكن . لذلك نقول: علينا أن نستمع إلى الحق يقول ما شاء عن نفسه ولا داعي للخلاف . وسبحانه وتعالى يقول: {وَهُوَ الله فِي السماوات وَفِي الأرض} وإياك أيها المسلم أن تفهم أن السماء والأرض هنا ظرفية ، لأن الظرفية وعاء وحيز ، وإذا كنت لم تعلم مكان روحك في جسدك ، فكيف تعلم مكان الله؟ لقد قصد الله بذلك القول أنه معبود في السماوات ومعبود في الأرض .
ولنلحظ أن بعض آيات القرآن توقف الذهن عندها كي تظل الأذهان دائماً مشغولة بكلمات الله ، ولو جاء القرآن بكلمات يسهل على الفهم العادي إدراك معانيها لما تجددت معاني الكتاب العظيم في كل زمان ، وكأن الحق قد قصد ذلك حتى يثبت الناس في كل العصور من إيمانهم . وها هم أولاء بعض من الذين يحاولون الخوض في القرآن تساءلوا عن معنى قوله الحق: {وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله وَهُوَ الحكيم العليم} [الزخرف: 84] .
تساءلوا عن معنى التكرار أنه إله في السماوات وإله في الأرض . وظن بعض السطحيين أنه قصد القول بأن هناك إلهاً في السماوات وإلهاً آخر في الأرض ، ولم يفطنوا إلى أن المعنى المقصود هو: إنه إله يعبد في السماء ويعبد في الأرض ، وهو صاحب الحكمة المطلقة في كل أفعاله وهو المحيط بكل كونه . وأن الحق إنما يريد بهذا القول أن يشغل الأذهان به .