وَالْوَجْهُ الثَّانِي فِي التَّأْوِيلِ: أَنْ نَقُولَ قَوْلُهُ: (هَذَا رَبِّي) مَعْنَاهُ هَذَا رَبِّي فِي زَعْمِكُمْ واعتقادكم ونظيره أن
يقول الموحد لِلْمُجَسِّمِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ: إِنَّ إِلَهَهُ جِسْمٌ مَحْدُودٌ أَيْ فِي زَعْمِهِ وَاعْتِقَادِهِ قَالَ تَعَالَى: (وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفًا) [طه: 97] وَقَالَ تَعَالَى: (وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ) [القصص: 62] وكان صلوات اللَّه عَلَيْهِ يَقُولُ: «يَا إِلَهَ الْآلِهَةِ» .
وَالْمُرَادُ أَنَّهُ تَعَالَى إِلَهُ الْآلِهَةِ فِي زَعْمِهِمْ وَقَالَ: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدُّخَانِ: 49] أَيْ عِنْدَ نَفْسِكَ.
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ فِي الْجَوَابِ: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الِاسْتِفْهَامُ عَلَى سَبِيلِ الْإِنْكَارِ إِلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مُضْمَرًا فِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَالَ يَقُولُونَ هَذَا رَبِي.
وَإِضْمَارُ الْقَوْلِ كَثِيرٌ، كَقوله تَعَالَى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا) [الْبَقَرَةِ: 127] أَيْ يَقُولُونَ رَبَّنَا وَقَوْلُهُ: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى) [الزُّمَرِ: 3] أَيْ يَقُولُونَ مَا نَعْبُدُهُمْ، فَكَذَا هاهنا التَّقْدِيرُ: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِقَوْمِهِ: يَقُولُونَ هَذَا رَبِي.
أَيْ هَذَا هُوَ الَّذِي يُدَبِّرُنِي وَيُرَبِّينِي.
وَالْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ ذَكَرَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ كَمَا يُقَالُ لِذَلِيلٍ سَادَ قَوْمًا هَذَا سَيِّدُكُمْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ.