وأخرج فيه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: حلف رجل أن لا يتزوج حتى يستشير مئة رجل، فاستشار تسعة وتسعين رجلًا، ثمَّ خرج وقال: أول من يستقبلني أستشيره، فإذا هو برجل قد طيَّن رأسه، وركب قصبة، وبيده سوط ليضرب القصبة، فلما انتهى إليه سأله، فقال له: يا عبد الله! تأخر عن الفرس؛ لا يَرْمَحُك، فركض على قصبته شوطاً، ثمَّ رجع، وقال له: هات حاجتك.
قال: إني حلفت أن لا أتزوج حتى أستشير مئة رجل، فاستشرت تسعة وتسعين رجلًا، وأنت تمام المئة.
فقال له: صاحب الواحدة إذا حاضت حاض معها، وإذا مرضت مرض معها، وإذا غابت غاب معها، وصاحب اثنتين قاض، وصاحب ثلاث ملك، وصاحب الملك مسافر.
فقال الرجل: لقد استشرت تسعة وتسعين رجلًا ما فيهم أعقل منك.
قال: أنا الذي أرادت بنو إسرائيل أن يستقضوني، ففعلت هذا كيما أنجو منهم.
وأحسب في غير هذه الرواية أنه قال: أراد بنو إسرائيل أن يذبحوني، ففررت من الذبح.
قيل: كيف يذبحونك؟
قال: أرادوا أن يولُّوني القضاء.
وقد اتفق التحامق فرارًا من ولاية القضاء لبعض هذه الأمة.
قال عبد الرحمن بن مهدي: أجبر أمير المؤمنين؟ يعني: أبا جعفرٍ، سفيانَ - يعني: الثوري - على القضاء، فتحامق عليه ليخلص نفسه منه. رواه أبو نعيم.
وفرار سفيان من ولاية القضاء من بلد إلى بلد، واستخفاؤه مشهور.
وقال مسعر بن كدام رحمه الله تعالى: دعاني أبو جعفر ليوليني فقلت: أصلح الله الأمير! إن أهلي ليرددوني على أن أشتري الشيء بدرهمين، فأقول: أعطوني أشتر لكم، فيقولون: لا والله، لا نرضى
اشتراءك، فأهلي لا يرضون اشترائي الشيء بدرهمين، وأمير المؤمنين يوليني؟ أصلحك الله! إن لي قرابة وحقاً، وقد قال الشاعر: من الوافر
تُشارِكُنا قُرَيْشٌ في تُقاها ... وَفِي أَنْسابِها شركَ العِنانِ
لَما وَلَدَتْ نِساءُ بَنِي هِلالٍ ... وَما وَلَدَتْ نِساءُ بَنِي إبانِ
قال: أما والله ما لنا في العرب قرابة أحب إلينا منهم، فأعفاه. رواه أبو نعيم.
والبيتان المذكوران في كلام مسعر لنابغة بن جعدة أحد نوابغ الشعراء.