وروى ابن المنذر عن السدي قال: كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف، ورفاعة بن يزيد إذا لقيا النبي - صلى الله عليه وسلم - قالا له وهما يكلمانه: راعنا بسمعك، واسمع غير مسمع، فظنَّ المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبيائهم، فقالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، فأنزل الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [سورة البقرة: 104] .
وروى أبو نعيم في"الدلائل"بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: راعنا بلغة اليهود: السب القبيح.
فكان اليهود يقولون ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - سرًا كما سمعوا أصحابه يقولون: أعلنوا بها، وكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فنزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} , فسمعها منهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فقال لليهود: يا أعداء الله! لأن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه.
وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: {لَا تَقُولُوا رَاعِنَا} ، قال: قولًا كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره اللهُ للمؤمنين أن يقولوا كقولهم.
* تنبِيْهٌ:
اعتاد كثير من مغروري هذا العصر ممن ينسب إلى الذكاء، والفطنة والكياسة، وليس كذلك لأنه لو كان كيسا فطناً لتحرَّز عمَّا لا يرضي الله تعالى: أن يكلم بعضهم بعضا بالكلام المصحَّف، أو المحرَّف، وغيرهما مما يحتمل وجهين: المدح والذم، أو التوقير والتحقير، يستعملونه في مزاحهم المزاح عن الحق، ثم غلب عليهم حتى ربما تكلَّموا به في جِدِّهم، فإذا تكلم أحد منهم بشيء من ذلك تضاحكوا واستحسنوا ذلك، وسموه تنكيتاً، وإنما هو تنَكب عن الحق، وهو حرام لأنه استهزاء بمسلم، واتهام له، وربما اشتمل على كذب أو فحش، وقد علمت أنه من أفعال اليهود.
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في"زوائد الزهد"عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مرَّ عيسى عليه السلام والحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أَنتنَ ريح هذا!
فقال عيسى: ما أشد بياضَ أسنانه! يعظهم وينهاهم عن الغيبة.