قال النووي رحمه الله تعالى: وأما الحديث الذي رويناه في"كتاب الترمذي، عن أسماء بنت يزيد - رضي الله عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرَّ في المسجد يومًا وعصبة من النساء قعود، فأوما بيده بالتسليم، قال الترمذي: الحديث حسن؛ فإنه محمول على أنه - صلى الله عليه وسلم - جمع بين اللفظ والإشارة."
يدل على ذلك أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في رواية:"فَسَلَّمَ عَلَيْنَا"، انتهى.
قلت: ولعلَّ إشارته - صلى الله عليه وسلم - بيده أيضًا كانت مخالفة لإشارة اليهود والنصارى، فهم يشيرون بالأكف والأصابع، وهو لم يشر كإشارتهم.
181 -ومنها: تحريف السلام.
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُوْلُوْنَ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ، فَقُوْلُوْا: وَعَلَيْكُمْ".
والسَّامُّ هُوَ الْمَوْتُ.
وهذا يتفق لكثير ممن لا يعتني بالسلام ابتداءً ورداً، فيختصر السلام للعجلة، فيلفظ بمثل ما تلفظ به اليهود.
واعلم أنه متى سلَّم اليهودي أو النصراني عليك فليس لك أن تزيد في الرد على: وعليك، أو: وعليكم؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
ولا يجوز ابتدائهم بالسلام لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدهمْ في طَرِيْقٍ فَاضْطَرُّوْهُ إِلَى أَضْيقِهِ". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي.
فإن احتيج إلى تحية أحد منهم تفاكها بغير السلام كقولك: هداك الله، وكيف حالك، فإن لم يحتج إلى ذلك فلا يقل شيئًا؛ فإن ذلك تبسط له وإيناس، وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم، ومنهيون عن ودهم.
182 -ومن أفعال اليهود والنصارى: قيام بعضهم لبعض، وهو منهي عنه.
نعم، رخَّص فيه النووي أن يفعل مع العلماء والأكابر، وبحث بعض المتأخرين وجوبه في هذه الأزمنة خشية ما يترتب على تركه من الحقد والعداوة.
والحاصل أنه مما اضطر العلماء للقول بإباحته واستحبابه، وهو من المحن التي دخلت على هذه الأمة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.