فلماذا وُجد الإنجيل؟ وإذا كانت ناقصة فلماذا جعلها الله ناقصة لا تفي بالحاجة،
وكيف يتم له الدليل بناء على هذا القول على إثبات التوراة والإنجيل بالعقل؟ وهذا
الإشكال لا يرد على المسلمين المعتقدين بصحة أصل التوراة والإنجيل؛ لأنهم
يقولون: إن كلاًّ منهما كان نافعًا في وقته، ثم عدت عواد اجتماعية ذهبت بالنفع
والفائدة، فساءت حال القوم المنتمين إلى الكتابين، فجدَّد الله الشريعة بالإسلام على
وجه فيه الإصلاح العام، فانقشع بنوره كل ظلام، وحفظ الله كتابه من التحريف
والتبديل ليرجع إليه الذين يضلون السبيل.
(7) إذا كانت التوراة مشتملة على ما ذكره - كما تقدم - فلماذا تركها
المسيحيون فعطلوا شرائعها، وضيَّعوا حدودها كما بيناه في بعض نبذ الرد
السابقة.
(8) إذا كانت كتب العهد العتيق والعهد الجديد إلهية حقيقية، فلماذا وُجد
فيها الاختلاف والتناقض والتهاتر ومصادمة العقل الذي لا يُفهم الدين ولا يُعرف إلا
به، وقد تكلمنا على مصادمتها للعقل قليلاً في بعض النبذ الماضية، وسنبين بعد كل
ما ادعيناه هنا تبيينًا.
(9) إذا كانت هذه الكتب إلهية وافية بما ذكره المصنِّف من حاجة الناس
للشرائع، فلماذا وُجد فيها ما يُخل بذلك أصوله وفروعه، كتشبيه الله بخلقه ونسبة
الفواحش إلى الأنبياء الذين هم أحق الناس وأولاهم بالاهتداء بالدين الذي تلقوه عنه
سبحانه وتعالى، وغير ذلك مما ينافي الآداب الصحيحة كما ألمعنا من قبل،
وسنزيد ذلك بيانًا، ونكتفي الآن بإشارات من لامية البوصيري رحمه الله تعالى،
قال في شأن العهد العتيق وأهله:
وكفاهم أن مثَّلوا معبودهم ... سبحانه بعباده تمثيلا
وبأنهم دخلوا له في قبة ... إذ أزمعوا نحو الشام رحيلا
وبأن (إسرائيل) صارع ربه ... فرمى به شكرًا لإسرائيلا
وبأنهم سمعوا كلام إلههم ... وسبيلهم أن يسمعوا منقولا
وبأنهم ضربوا ليسمع ربهم ... في الحرب بوقات لهم وطبولا
وبأنه من أجل آدم وابنه ... ضرب اليدين ندامة وذهولا
وبأن رب العالمين بدا له ... في خلق آدم يا له تجهيلا
وبدا له في قوم نوح وانثنى ... أسِفًا يعضُّ بنانه مذهولا
وبأن إبراهيم حاول أكله ... خبزًا ورام لرجله تغسيلا