أيام لم يكن عند هؤلاء إلا الديانة التي بثها فيهم مقدسهم بولس، فما زادتهم إلا عداوة
وبغضًا واختلافًا وتنازعًا وحربًا واغتيالاً في تلك العصور التي يسمونها المظلمة،
وكان الصينيون في هدوء وسلام ووفاق ووئام، ما قيل في الصينيين يقال نحوه في
الهنود، ولا يرد مثل هذا الإشكال على المسلمين؛ لأنهم بمقتضى هدى القرآن
يجوزون أن يكون الله تعالى بعث في الصين والهند أنبياء أرشدوهم إلى ما كانوا
فيه من السعادة، ثم طال عليهم الأمد، فمزجوا ديانتهم بالنزغات الوثنية الموروثة
حتى حوَّلوها عن وجهها تحويلاً، كما نعتقد مثل ذلك في النصارى إذ لا شك أن
ديانتهم في الأصل سماوية توحيدية، ثم حوَّلوها إلى عبادة البشر من المسيح وأمه
وغيرهما.
(4) إن الأوروبيين قد استغنوا بالقوانين الوضعية عن شريعة التوراة،
وبالآداب الفلسفية عن آدابها وآداب الإنجيل فطرحوا الزهادة، ونفضوا عن
رؤوسهم غبار الذل، وقد نجحوا بهذا وارتقوا عما كانوا عليه أيام كانوا متمسكين
بهذا الكتاب الذي يسمى (المقدَّس) فكيف تقول إنه لا يوجد غيره لهداية البشرية
وتهذيب أخلاقهم، وهذا الواقع على خلافه، وهذا الإشكال لا يرد أيضًا على
المسلمين؛ لأنهم يعتقدون أن اليهود والنصارى نسوا حظًّا مما ذُكِّروا به في الوحي
وطرأ على الباقي التحريف والنسخ، فلم يعد صالحًا لهداية البشر، ويعتقدون أن
الأوربيين أقرب الناس إلى دين الإسلام في أخلاقهم الحسنة كعزة النفس، وعلو
الهمة والجد في العمل والصدق والأمانة والاهتداء بسنن الكون والاسترشاد بنواميس
الفطرة، والأخذ بالدليل وغير ذلك، وأنهم كما اهتدوا إلى هذا بالبحث والتوسع في
العلم سيهتدون كذلك إلى سائر ما جاء به الإسلام من العقائد والأخلاق والفضائل
والأعمال.
(5) إن المسلمين قد ظهر فيهم كل ما ذكره في وجه الحاجة إلى الشريعة
على أكمل وجه لم يعرف مثله في الكمال عند اليهود والنصارى، فعرفوا ما يجب
لله تعالى، وما يجب من حقوق العباد وصلح بالدين حالهم، واجتمعت كلمتهم
وتهذبت أخلاقهم، وسمت مدنيتهم في كل عصر بقدر تمسكهم به، والتاريخ شاهد
عدل.
(6) إذا كانت التوراة قد بيَّنت كل ما ذكره من حاجة البشر إلى الشريعة