وقيل: (وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) : من البيان عما كتموا من نعته وصفته التي كانت في كتابهم، وما حرفوا فيه وغيروه من الأحكام؛ فذلك مما زادهم طغيانًا وكفرًا.
قيل: (طُغْيَانًا) ، أي: تماديا بالمعصية، (وَكُفْرًا) : بالقرآن.
وقيل: الطغيان: هو العدوان، وهو المجاوزة عن الحد الذي حد.
فَإِنْ قِيلَ: ما معنى إضافة زيادة الطغيان إلى القرآن، والقرآن لا يزيد طغيانًا ولا كفرًا؟:
قيل: إضافة الأفعال إلى الأشياء تكون لوجوه ثلاثة:
منها: ما يضاف لحقيقة الفعل بها.
ومنها: ما يضاف للأحوال.
ومنها: ما يضاف لمكان ما به يكون الفعل، وهاهنا أضيف ذلك إلى القرآن؛ لما كان فيهم من الطغيان والكفر لمكان ما أنزل إليهم بالكفر الذي كان فيهم؛ وهو كقوله - تعالى -: (إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ) : إنهن لا يضللن أحدًا في الحقيقة؛ ولكن لما صاروا بهن ضلالا أضيف إليهن، وكقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) ، والحياة الدنيا لا تغر أحدًا؛ ولكن لما لو كانت لها حواس لكان ما أبدت من الزينة لغرت.
وقوله: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)
اختلف فيه:
قَالَ بَعْضُهُمْ: (وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ) : بين اليهود والنصارى، أي: لا يحب اليهودي نصرانيا، ولا النصرانى يهوديا.
وقال آخرون: (بَيْنَهُمُ) ، أي: بين اليهود؛ لأن اليهود على مذاهب مختلفة وأهواء مشتتة: منهم من يقول: عزير ابن اللَّه، ومنهم من يذهب مذهب التشبيه. هم على أهواء مختلفة؛ فبينهم عداوة وبغضاء، على ما ذكرنا الاختلاف الواقع بينهم.