وهي في المنافقين أشبه؛ ذكر أنهم كانوا يدخلون على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ويظهرون الموافقة له، ويخبرونه أنهم يجدون نعته وصفته في كتبهم، ويضمرون الخلاف له في السر وهزءوا به؛ فقال عند ذلك: (وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ) : أخبر - عَزَّ وَجَلَّ - نبيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -: أنهم دخلوا بالكفر؛ لأنهم يقولون ذلك استهزاء، وعلى ذلك خرجوا؛ ففيه دلالة إثبات رسالة سيدنا مُحَمَّد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - ؛ لأنه أخبرعما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما علم ذلك بالذي يعلم الغيب، مع علمهم أنه لا يعلمه إلا اللَّه، واللَّه أعلم بما كانوا يكتمون ويضمرون من الكفر والهزء.
قوله تعالى: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(62)
يحتمل أن يكون قوله: (وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ) : من ملوكهم وعوامهم.
(يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) ، أي: في قول الكفر والعدوان، والعدوان: هو المجاوزة عن الحد الذي حد لهم، ويسارعون - أيضًا - في أكل السحت.
والسحت، قيل: هو كل محرم، وقيل: هو الرشوة في الحكم.
وعن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه قال: الرشوة: هي الكفر، وأما السحت: هو أن يرفع حاجة أخيه إلى السلطان فيأكل عنده، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
ثم قال على أثر ذلك: قوله تعالى: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(63)