يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ} وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى {آمَنُوا} بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ {وَاتَّقَوْا} مَا نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ فَاجْتَنَبُوهُ
{لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ} .
يَقُولُ:"مَحَوْنَا عَنْهُمْ ذُنُوبَهُمْ , فَغَطَّيْنَا عَلَيْهَا وَلَمْ نَفْضَحْهُمْ بِهَا {وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} "
يَقُولُ: «وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ بَسَاتِينَ يَنْعَمُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66) }
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ {وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ}
يَقُولُ:"وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنَ الْفُرْقَانِ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ."
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يُقِيمُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَنَسْخِ بَعْضِهَا بَعْضًا؟
قِيلَ: وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا وَشَرَائِعِهَا , فَهِيَ مُتَّفِقَةٌ فِي الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِرُسُلِ اللَّهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَمَعْنَى إِقَامَتِهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقُهُمْ بِمَا فِيهَا
وَالْعَمَلُ بِمَا هِيَ مُتَّفِقَةٌ فِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي فَرَضَ الْعَمَلَ بِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ قَطْرَهَا , فَأَنْبَتَتْ لَهُمْ بِهِ الْأَرْضُ حَبَّهَا وَنَبَاتَهَا فَأَخْرَجَ ثِمَارَهَا.