الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ}
اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} بِمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ , بِمَعْنَى: عَابِدٍ , فَجَعَلَ عَبَدَ فِعْلًا مَاضِيًا مِنْ صِلَةِ الْمُضْمَرِ , وَنَصَبَ الطَّاغُوتَ بِوُقُوعِ عَبَدَ عَلَيْهِ"وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: «وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَبُدُ وَضَمَّ بَائِهَا وَخَفْضِ الطَّاغُوتَ بِإِضَافَةِ عَبُدَ إِلَيْهِ , وَعَنَوْا بِذَلِكَ: وَخَدَمُ الطَّاغُوتِ"
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: إِنْ يَكُنْ فِيهِ لُغَةٌ مِثْلُ حَذِرٍ وَحَذُرٍ , وَعَجِلٍ وَعَجُلٍ , فَهُوَ وَجْهٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ قَوْلَ الشَّاعِرِ:
[البحر الكامل]
أَبَنِي لُبَيْنَى إِنَّ أُمَّكُمُ ... أَمَةٌ وَإِنَّ أَبَاكُمُ عَبُدُ
فَإِنَّ هَذَا مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ. وَهَذَا يَجُوزُ فِي الشِّعْرِ لِضَرُورَةِ الْقَوَافِي , وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَلَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ (وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ) , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ جَمْعَ الْجَمْعِ مِنَ الْعَبْدِ , كَأَنَّهُ جَمَعَ الْعَبْدَ عَبِيدًا , ثُمَّ جَمَعَ الْعَبِيدَ عُبُدًا , مِثْلُ ثِمَارٍ وَثُمُرٍ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ: (وعُبُدَ الطَّاغُوتِ)
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ابْتَدَأَ الْخَبَرَ بِذَمِّ أَقْوَامٍ , فَكَانَ فِيمَا ذَمَّهُمْ بِهِ عِبَادَتُهُمُ الطَّاغُوتَ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ عُبِدَ , فَلَيْسَ مِنْ نَوْعِ الْخَبَرِ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الْآيَةَ , وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا خَتَمَهَا بِهِ , فَيَكُونُ لَهُ وَجْهٌ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ.
وَذُكِرَ أَنَّ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «وَعَابِدُ الطَّاغُوتِ» .