لذلك يخاطب - سبحانه - الخلق خطاباً ، فإن انفعلوا للخطاب ، يسرَّ لهم كل ما سخره لهم في الكون . وإن لم ينفعلوا فهو ممسك الأسباب ويمكنه أن يخرق قوانينها ، فلا الأرض ولا الهواء ولا أي شيء خرج عن طاعة الله ، فإذا ما تمردت جماعة على نعم الله أو على الله فسبحانه يجعلهم نكالاً لغيرهم ويقبض عنهم الأسباب .
والإنسان سيد هذه الكائنات في هذا الكون ، وهو منفعل - أيضاً - بقدرة ربه وقد يمرض ، وقد يموت ، وقد ينكسر ، وقد يغرق ، فإذا كان الإنسان وهو المنفعل ب"كن"من ربع فكيف حال الأشياء الأدنى منه؟ إنها أيضاً منصاعة ب"كن". والحق قادر أن يقول للأرض: كوني جدباً ، وهو القادر على أن يوقف المطر لأنه هو سبحانه الذي يجعل الأشياء تسير سيراً رتيباً . ألم يقل الحق سبحانه وتعالى في خطابه لكل خلقه عن الأرض: {بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا} . فإذا كان الحق قد أوحى للأرض لتبرز الكنوز أو تحدث الزلازل ، فما بالنا بكل شيء آخر؟ . إن كل شيء إنما يسير بأمر الله ، ذلك أن كل شيء يسبح بحمد الله ، ولكن الإنسان لا يفقه لغات غيره من الكائنات: {لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمًْ} .
وخطاب الله لكل خلقه يفهمه المنفعل له من أي جنس من أجناس الوجود ، ولو علمك الله هذا الانفعال ، لسمعت لغة الكائنات الأخرى . مثال ذلك سيدنا سليمان عليه السلام الذي سمع قول نملة لبقية النمل: {ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ} [النمل: 18] .
وماذا قال سليمان بعد ذلك؟ .
قال سليمان: {رَبِّ أوزعني أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} [النمل: 19] .
وهو سبحانه القائل: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجبال يُسَبِّحْنَ والطير} [الأنبياء: 79] .
والهدهد قال في القرآن: {أَلاَّ يَسْجُدُواْ للَّهِ الذي يُخْرِجُ الخبء فِي السماوات والأرض} [النمل: 25] .